الكليات والجامعات غير الحكومية “الاهلية ” ومسؤولية وزارة التعليم العالي

آراء: الكليات الأهلية ومسؤولية وزارة التعليم العالي

طاهر البكاء


لم يعرف العراق جامعات غير حكومية منذ عدة عقود، الا ماندر، لذا انفردت الجامعات الحكومية بمهمة التعليم العالي، الامر الذي كلف الدولة اموالا طائلة، وجعلها تتحكم بشكل مركزي بشعيرات العملية التعليمية.

 

ان التوسع بفتح الجامعات غير الحكومية ضرورة تحتمها الحاجة للتنوع، وتوفير فرص اوسع امام الطلبة لاختيار الاختصاصات التي يرغبون، بما يتطابق مع مواهبهم وهواياتهم وطموحاتهم، الامر الذي يرفد المجتمع بكفاءات واختصاصات مختلفة، فضلا عن ذلك فانها توفر فرص عمل اضافية، وتساهم في القضاء على البطالة.
ظهر في تسعينيات القرن الماضي، بحكم الحاجة اثناء الحصار الذي فرض على العراق 1990- 2003، عدد من الكليات الجامعة، اتسم بعضها بالرصانة، وشاب بعضها الاخر الضعف.
وبما ان الكليات والجامعات غير الحكومية تدار ذاتيا في كل المجالات، التمويل، القبول، التعيين، وغيرها، وبغية تحقيق الاشراف العلمي عليها استحدث في الوزارة“ مجلس الكليات والجامعات الاهلية”، وتولت دائرة الاشراف والتقويم تدقيق الشروط الواجب توفرها لتاسيس كلية او جامعة، منها وجود هيئة مؤسسة من مجموعة من الاكاديميين غير المنتسبين لاحدى الجامعات، تكون صاحبة امتياز، فضلا عن بناية ملائمة، وملاك علمي تدريسي كاف في كل قسم علمي، ومفردات المناهج العلمية في كل اختصاص، وغيرها من الشروط الضرورية، كل ذلك جزء من متطلبات ضمان الرصانة العلمية وتحقيق مستوى مقبول لمخرجات تلك المؤسسات.
تابع جهاز الاشراف والتقويم عمل الكليات الاهلية، وحقق اشرافا مباشرا، تجلى ذلك بغلق “كلية شط العرب” في البصرة قبل 2003، بعد ان ثبتت عليها مخالفات علمية، منها قبولها لاحد ابناء المسؤولين الكبار آنذاك، ومنحه درجات دون ان ينتظم بالدوام، وفي عام 2004 اعفت الوزارة صاحب امتياز وعميد كلية اليرموك الجامعة في بعقوبة ووضعتها تحت اشراف جامعة ديالى الرسمية، لان صاحب الامتياز فتح اقساما لتدريس الصيدلة وطب الاسنان، وهذا مالا تسمح به الوزارة في الكليات الاهلية حينئذ، لعدم توفر الكادر التدريسي، والاجهزة المختبرية الكافية. وكرر هذا الشخص الامر ذاته ففتح جامعة في السليمانية 2004، لكن الوزارة استطاعت بالتفاهم مع المسؤولين هناك وأد تلك المحاولات بعد عام من قيامها.
كانت بعض المنظمات المهنية القومية، التي تتخذ من بغداد مقرا لها، قد اسست معاهد للدراسات العليا في بغداد قبل 2003 منها معهد التربويين العرب، ومعهد التاريخ العربي، وقد حاول المشرفون على هذين المعهدين انتزاع اعتراف رسمي بالشهادات التي يمنحانها، ومارسوا ضغوطاً كبيرة جدا، شاركهم فيها اشخاص من مستويات عليا في الدولة انذاك، الا ان وزارة التعليم العالي واعتمادا على مقاييس علمية رصينة رفضت الاعتراف بها.
كرر المسؤولون عن المعهدين المحاولة في 2004 ، وقد عرض طلبهم على مجلس الوزارة، وبعد مناقشات مستفيضة شارك فيها رؤساء الجامعات العراقية، وبحضور رئيسي المنظمتين العربيتين، صوت مجلس الوزارة بالاجماع على رفض الاعتراف بالشهادات التي يمنحها المعهدان، والتوصية بغلقهما، لكن احد وزراء التعليم العالي فيما بعد خضع لضغوط من قوى نافذة ومؤثرة، واتخذ قرارا فرديا فتح الباب بموجبه للاعتراف ببعض شهادات معهد التاريخ العربي، مخالفا بذلك قرار مجلس الوزارة، المشار اليه اعلاه، وهذا لعمري تعبير عن سطوة الفرد في الدولة العراقية .
تأسس بعد 2003 عدد من الكليات والجامعات الاهلية، وهذه ظاهرة ايجابية،  تتطلب الرعاية والحماية، والاخذ بيدها والحرص على انجاحها، بنفس القدر الذي نحرص به على الجامعات الحكومية لم لا وهي تشارك في اعداد الكفاءات العلمية ، واذا ما علمنا ان ارقى الجامعات في العالم هي جامعات اهلية خاصة، مثل الجامعة الاولى “ هارفرد” وغيرها الكثير، لادركنا حجم الواجب والمسؤولية اللتين تحتمان علينا، رعاية وحماية هذه المؤسسات العلمية حتى من بعض مؤسسيها، خوفا من تحويلها الى مشروع تجاري ربحي، علي حساب الر صانة العلمية؟ وهنا لا نلغي الهدف الربحي المشروع لاصحاب الامتياز، لكن يجب ان يتحقق ذلك مع مخرجات نوعية و جيدة بحيث يفتخر الطالب بتخرجه من كلية اهلية تتمتع بمستوى راق مشهود له.
ان وزارة التعليم العالي قادرة على انجاح التعليم الاهلي والارتقاء به، خاصة وانها تمتلك السلطة والحق القانوني، بالاعتراف او سحبه بمخرجات تلك الكليات، وان لا تخضع او تستجيب لاية ضغوط مهما كان مصدرها.
للوصول الى الهدف المنشود على المسؤولين في الوزارة اتخاذ عدة خطوات منها :-
1-
التشدد في توفر مستلزمات التاسيس، وعدم التساهل بها، من حيث البنايات الملائمة، المختبرات، الكادر التدريسي، المناهج، وكل المستلزمات الاخرى.
2-
مراقبة اسس القبول، اذ يجب ان تستند الى قواعد واضحة، تحقق العدالة، على اسس تنافسية بين الطلبة، والتصدي لاية حالة قبول لاتستند على المعدل .
3-
وضع معايير نوعية ثابتة يجب توافرها قبل منح اجازة التأسيس، ومراقبتها بعد ذلك، وسحب الاجازة في حالة النقص او الاخلال باي منها.
4-
تفعيل اجتماعات مجلس الكليات والجامعات الاهلية، ومنحه الصلاحيات المطلوبة، كجهة تصديق على قرارات مجالس الكليات الاهلية ، وكجهاز مراقبة على ادائها .
5-
وضع حوافز ومنح تشجيعية للكليات الاهلية المتميزة .
6-ان تقوم الوزارة باعلان تقرير تقييم سنوي ، تظهر فيه درجات اداء كل واحدة من تلك الكليات، ما يؤثر على التوجه اليها من قبل الطلبة او العزوف عنها .كل ذلك يجب ان يكون بهدف انجاح التجربة ، لافرض الوصاية عليها، وبهذا تكون الوزارة جهة مراقبة وتقييم، وهو مانطمح ان يمتد الى الجامعات الرسمية.
والله وابناء الوطن من وراء القصد.