المكارثية والترامبية ، طاهر البكاء ، حزيران 2016

الترامبية والمكارثية

طاهر البكاء

حزيران 2016

       الترامبية هي الأفكار والمبادئ والسياسات والرؤى التي يطلقها المليادير دونالد ترامب ضد المرأة والمكسيكيين والملسمين ، اثناء حملته الانتخابية للفوز بترشيح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأمريكية تشرين الثاني 2016. أما المكارثية فهي الاتهامات بالخيانة والتآمر ، دون أية أدلة، التي ساقها عضو مجلس الشيوخ الأمريكي جوزيف مكارثي عام 1950 ، أثناء الحرب الباردة ، ضد عدد من موظفي الحكومة الأمريكية ، وبخاصة موظفي وزارة الخارجية ، ادعى فيها أنهم شيوعيون وجواسيس يعملون لمصلحة الاتحاد السوفيتي ، والتي أدت إلى اعتقال أكثر من 200 شخصا.

لاقت المكارثية قبولا لدى أغلبية الأمريكيين وذلك تحت تأثير الخطر من الشيوعية والاتحاد السوفيتي ، حتى بات ذلك التخوف مرضاً يمكن أن نطلق عليه “الشيوعية فوبيا” ، وقد انطلت تلك الأكاذيب والافتراءات على الشعب الأمريكي ، وبل وحتى على السلطة القضائية لمدة أربع سنوات ، إلى أن تم اكتشاف زيفها عام 1954 ، مما أدى إلى توجيه اللوم إلى مكارثي .

أردت بهذه السطور أن أقارن بين أفكار دونالد ترامب ومكارثي وأثر الأولى ومخاطرها على الرأي العام وسياسة الإدارة الأمريكية مستقبلا. فأقول إن المكارثية استهدفت بضع عشرات من المواطنين الأمريكيين في دائرة صنع وتنفيذ القرار ، كما أنها استهدفت عقيدة سياسية بعينها “الشيوعية” ، ولم تستهدف مكونا أو شعباً بكامله ، كما في حالة الترامبية . كما أن المكارثية كانت حالة محلية داخلية ، بعكس الترامبية التي يتعدى تأثيرها المجتمع الأمريكي إلى قارات العالم كافة .

ظهرت الترامبية والمكارثية في ظروف مؤاتية لكليهما في إطارهما الزمني ، فاذا كان الخوف من الشيوعية والنفوذ السوفيتي قد ولد ظروفا مناسبة لقبول المجتمع الأمريكي بالمكارثية ، فإن الترامبية ظهرت في ظروف مؤاتية تساعدها على القبول والانتشار ، من حيث السرعة الفائقة في وسائل الاتصال الإعلامي والاجتماعي ، وإنها جاءت والمجتمع الأمريكي يعاني من وجود مهاجرين غير شرعيين ، أغلبهم من دول أمريكا اللاتينية وبشكل خاص من المكسيك ، تجاوز عددهم الخمسة عشر مليون مهاجر ، يشكلون عبئاً على الإقتصاد وسوق العمل ، فضلا عن المشاكل الاجتماعية التي يتسببون بها.

كما أن الترامبية جاءت بعد أن ارتسمت في العقل الجمعي الأمريكي بشكل خاص ، والعقل الغربي بشكل عام صورة سلبية قاتمة عن الإسلام والمسلمين ، وذلك بعد جريمة 11 أيلول 2001 ، والتي نفدها تسعة عشر مسلما  خمسة عشرمنهم من المملكة العربية السعودية، تلك الجريمة التي قادت إلى أن تشن الإدارة الأمريكية حروباً في أفغانستان والعراق لم يخمد إوارها بعد ، وولدت حروبا أخرى ، بل أدت الى ظهور تنظيمات “جهادية” متطرفة أقل مايقال بها أنها “إرهابية تكفيرية” .

يحاول ترامب إيجاد وعي قومي أمريكي واستنهاضه ، الأمر لاقى قبولاً واسعاً لدى قواعد الحزب الجمهوري ، عبر عن نفسه بتقدم كبير حققه ترامب على منافسيه الآخرين ، مما جعله يجمع في أيار 2016 العدد المطلوب من المندوبين الذي يؤهله للترشيح عن الحزب الجمهوري وذلك قبل انعقاد مؤتمر الحزب في مطلع تموز.

إن مسألة إيجاد وإستنهاض وعيا قومي أمريكي فيه مخاطر كبيرة على وحدة المجتمع الامريكي ذاته ، وذلك لانه مجتمع متعدد الأعراق والأصول ، فيه مكونات كبيرة مثل الاوربيين واللاتينيين والصينيين وغيرهم ، وهؤلاء لم ينصهروا في بوتقة قومية واحدة ، بل يخضعون لآليات دستورية وقانونية تنظم حياتهم .

كما ان دعوته لمنع دخول المهاجرين والمسلمين إلى البلاد تثير علامات استفهام كثيرة منها ، انها تخالف نصوص وروح الدستور الأمريكي ، كما تطرح تساؤلاً حول مَنْ هم أصحاب الارض الاصليون ؟ أليس هم الهنود الحمر ، وما ترامب وغيره إلا مهاجرين احتلوا هذه البلاد رغما على سكانها الأصليين . فهل يحق أن يطلب الهنود من ترامب وغيره العودة من حيث أتوا ؟

لا ينحصر تأثير الترامبية سلبا على المكسيكيين والمسلمين  فحسب بل يتعدى ذلك إلى حلفاء أمريكا في القارات المختلفة ، فقد ذكر ترامب في جولاته الانتخابية أنه يتطلب من الدول التي فيها قواعد أمريكية أو التي تتمتع بالحماية العسكرية الأمريكية أن تدفع مبالغ نظير حمايتها ، وبهذا فإنه من حيث يعلم أو لا يعلم تخلى عن مسؤولية أمريكا ودورها ، القوة الأعظم في العالم ، وحولها الى “بندقية للإيجار” ، فهل يليق هذا بدولة عظمى مثل أمريكا ؟  لذا أظهر عدة قادة أوربيون امتعاضهم من أفكار ترامب وتصريحاته .

 وفي الختام نستطيع القول إن ترامب يفكر بصوت عال ، ويقول ما يؤمن به ، دون مجاملات أو مواربة وهو بذلك يبتعد كثيرا عن الأساليب السياسية التي تعتمد المبادئ الميكافيلية ، ولا تقول كل الحقيقة ، وأظهرت آراؤه وأقواله أن طيفا واسعا من الأمريكيين يؤمن بمبادئ ترامب ، وستكون لتلك المبادئ آثار ونتائج مستقبلية في المجتمع الأمريكي حتى وإن لم ينتخب ترامب لرئاسة البلاد ، فقد ألقى الرجل أحجار كبيرة جدا في مياه راكدة ، لابد من وصول أمواجها إن عاجلاً أم آجلاً.