في ضوء قرار وزارة التعليم العالي احالة عدداً من الاساتذة على التقاعد

في ضوء قرار وزارة التعليم العالي احالة عدداً من الاساتذة على التقاعد  

د. طاهر البكاء

 تشرين الاول 2008

 احالت وزراة التعليم العالي على التقاعد هذه الايام عدد كبير من الاساتذة ممن بلغوا السن التقاعدي ، حسب قانون الخدمة الجامعية . واذا ماعرفنا ان هؤلاء من حملة الالقاب العلمية المتقدمة ، واضفنا اليهم العدد الكبير الذين غادروا الوطن ، بسبب الوضع الامني ، لادركنا حجم الخسارة العلمية التي منيت وستمنى بها الجامعات العراقية .

     ان تطبيق القوانيين والالتزام بها أمر جيد و مرحب به ، ولكن في ظل الظروف الحالية ، والنقص الهائل في الكفاءات العلمية ، الذي اسهم فيه اضافة الى اضطرار اعداد كبيرة للهجرة ، التوسع الهائل في فتح جامعات وكليات جديدة .تفرض علينا الاحتفاظ بهذه الكفاءات المتقدمة والنادرة ، خاصة وان اغلبهم يتمتعون بقابليات بدنية ، تؤهلهم للاستمرار في مسيرة العطاء الثر .

      تستقطب ارقى الجامعات بالعالم كوادرعلمية متقدمة قبل و بعد احالتهم على التقاعد في بلدانهم ، واثناء سنتي البحثية في الجامعة الاولى في العالم ” هارفرد” في الولايات المتحدة الامريكية ، شاهدت اساتذة بلغلوا من العمر عتيا ، منهم على سبيل المثال لا الحصر رئيس قسم الفيزياء الذي شارف على التسعين من العمر ، كما ان الجامعة ذاتها احتفظت بالاستاذ العراقي المرحوم فخري البزاز ، رغم اصابته بمرض عضال ، الى ان توفاه الله في الشتاء الماضي ، فوقفت الجامعة حزنا على فقده .

    من المعروف بداهة ان الاساتذة تتجذر تجاربهم ، ويتعمق عطائهم ، كلما كثرت ابحاثهم ، التي تصبح نوعية بتراكم عطائهم .

     كم خسرت جامعة بغداد عندما احيل المرحوم علي الوردي على التقاعد ، وهو لم يزل معطاءا ؟ ، وهل توقف الاستاذ حسين علي محفوظ عن العطاء بعد احالته على التقاعد ؟ الم تضطر الجامعة التي احالته على التقاعد للاستعانة به لاكثر من عقدين للاشراف على طلبة الدراسات العليا ؟ الم تتلقف الجامعة الاردنية المؤرخ العراقي عبد العزيز الدوري ، و عبد الامير محمد امين ، وحسين القهواتي ؟ وهناك مئات غيرهم .

        ايعقل ان تخسر الجامعات اساتذة من امثال كمال مظهر احمد ، وهاشم التكريتي ، وغيرهم بالعشرات الذين تضمنتهم قائمة الاحالة على التقاعد ؟

       لم اتردد لحظة 2004 باعادة المرحوم الاستاذ الدكتور عبد الامير الورد الى الخدمة ، الذي اضطر في تسعينيات القرن الماضي الى احالة نفسه على التقاعد ، لتردي الوضع المعيشي للاساتذة .

      واذا كان العمر مقياسا وحدا فاصلا ، تتوقف عنده مسيرة العطاء ، فالاجدر ان يطبق على من يحتلون مواقع قرارات خطيرة ، لها مساس مباشر بحياة ومستقبل البلاد والعباد .

    لي ثقة مطلقة لو ترك الامر للجامعات لما ضحت بهذه النخبة الخيرة ، لكن المشكلة تكمن ، كم اشرت غير مرة ، في المركزية الشديدة التي تمارسها الوزارة ، التي هي غالبا تعبر عن سياسة وزير لا فلسفة وزارة .

  علينا ان نفكر باسلوب خلاق ، ونجد طريقة تكفل استمرار هؤلاء العلماء بالعطاء العلمي والاشراف على طلبة الدراسات العليا ، منها على سبيل المثال لا الحصر ، تفعيل ما يطلق عليه في الجامعات الغربية ” استاذ كرسي ” او استاذ زائر ، او استاذ خبرة .

  انتهز هذه المناسبة لاكرر مطالبا برفع الغطاء الثقيل الذي تفرضه الوزارة على الجامعات ، وان تعطى للجامعات استقلالية وحرية واسعة في التعين ، والقبول ، وارسال البعثات ، وغيرها ، وان يحصر دور الوزارة في الاشراف والمراقبة والتقويم العلمي . والله والوطن من وراء القصد .