مضر الملا كما عرفته

هؤلاء زملائي : مضر الملا كما عرفته

    من عائلة بغدادية عريقة ، تنتسب الى قبيلة الجبور الكريمة ، التي يغطي وجودها العراق العربي من شماله الى جنوبه ، وتتوشح بالوان الطيف العراقي الثقافي والمذهبي الجميل.

    إتخذت عائلة الملا بغداد موطنا وسكنا لها ، وتركز وجودها في منطقة الدورة حيث أملاكهم وبساتينهم الغناء ، فكان بستان بيت الملا يجمعنا أيام الصيف اللاهب ، حيث الماء والفواكة ذات القطوف الدانية ، نقطف منها ما نشاء اثناء سويعات تواجدنا هناك ، غير ان ال الملا لايسمحوا لنا بالخروج دون ان تحمل سياراتنا ما لذَّ وطابَ من الفاكهة والارطاب.

    أصبح أحد بيوت ال الملا في الدورة معلماً وفناراً للدلالة ، وقد عرف الناس بيت “ابو طيارة” لان بناءه إحتوى على طائرة في واجهته العليا.

    أنجبت هذه العائلة الكريمة أعلاما أفذاذا في حقول العلم والسياسة والأعمال الحرة ، فكان منهم الاستاذ المهندس كريم الملا الذي تقلد مناصب سياسية مهمة توزعت من قيادة العمل الطلابي والشبابي الجماهيري الى المناصب الوزارية وتمثيل البلاد في العمل الدبلوماس ، فضلا عن أفاضل آخرين مهم الاستاذ عبد الرحمن ، كان مهندسا في القوة الجوية العراقية، والأستاذ سعد عمل في السلك الدبلوماسي،  والاستاذ الدكتورزهير كان استاذاً في كلية الطب ، والاستاذ الدكتور المهندس خالد كان استاذا جامعيا ومديرا عاما سابق في وزارة التخطيط ، ثم وزارة الحكم المحلي ، والاستاذ حارث ، إهتم بالزراعة ولم يشغل أي وظيفة في الدولة ، والاخ صلاح ، عمل في الخطوط الجوية العراقية ، وإمتلك مكتب سفريات وسياحة، والمرحوم قصي ، ضابطا مغواراً، هو بطل إنقاذ الطائرة العراقية التي إختطفت في 1975 .

    تجمعني بالاخ مضر الملا أشياء كثيرة فنحن من جيل واحد عمرا وننتمي الى مدرسة فكرية واحدة ، وعملنا في الحقل الطلابي الجماهيري معا ، فكنا نكمل بعضنا الاخر ، وقد ترسخت أواصرالعلاقة معه بعد اقترانه بالسيدة الفاضلة رجاء التي حرصت على إقامة أفضل العلاقات بين عائلتينا ، لرحابة صدرها وحسن خلقها وكرم ضيافتها ، مهللة مرحبة مبتسمة بمن يحل عليها ضيفا.

    أختلف مع ابي يعرب في بيئة النشأة والاختصاص العلمي ، فنشأت انا في الناصرية الحبيبة ، ونشئ هو في بغداد المحروسة باذن الله ، وبينما تخصص هو في الحقل العلمي الهندسي تخصصت أنا في الدراسات الانسانية ، لكن بعد المسافة بين النشأتين والتخصصين لم يحولا دون إقامة افضل العلاقات بيننا ، ولم تؤثرعليها عاديات الزمن.

    تخرج الأخ مضر الملا من كلية الهندسة ، جامعة بغداد ، في إختصاص الري، غير أنه قبل تخرجه كان ناشطا طلابيا نقابيا ، ومَثَلَ العراق في عدة مؤتمرات ومحافل عربية ودولية ، وقد زاملته وشاركته في هذا المضمار ، وإشتركنا في عدة مؤتمرات عربية وعالمية.

    ومن الطرائف التي ساهمت بها للتندر على تخصصه العلمي ، مازحين ، ان طلاب معسكر البساط الاخضر تموزعام 1973 وفي آخر يوم من عملهم الذي يستمر اسبوعا واحدا نظموا حفلة فنية ، قدمت فيها كل كلية فعالية فنية إختاروها بأنفسهم ، فعدما صعد طلاب كلية الطب لتقديم فعاليتهم هتف طلاب كلية الطب البيطري مرددين “داونا ونداويكم ” ولما حان وقت فريق طلاب كلية الهندسة لتقديم فعاليتة أيضا هتف طلاب الاختصاصات الانسانية هتافا أشاع المرح بين طلاب الكليات الاخرى مرددين “جيبوا حصو للهندسة د يبنون بلوعة” طلب مني الاخ الاستاذ كريم الملا ، راعي الحفل حينها ، ان أقوم لاسكات الطلبة ، نهضت وبدلا من إسكاتهم رددت معهم الشعار نفسه ، ملوحا لهم بيدي على الاستمرار بالهتاف .

   يمتاز الاخ مضر الملا بهدوء الطبع ، رزانة العقل والسلوك ، عمق في التفكير ، شجاعة في الموقف ، لدرجة ان شجاعته كلفته الكثير وسببت له معاناة ، كاد أن يفقد حياته فيها ، لولا اللطف الإلهي .

    لم أجد الاخ ابا يعرب متذمرا يوما ما ، فهو واقعي ، يواجه الامور بهدوء أعصاب الامر الذي لا أتمتع به أنا.

    في زيارتي الأخيرة لعمان ، الاردن ، تموز 2014 حرصت أن أوقتها مع وجوده في عمان ، إذ انه دائم التنقل بينها وبغداد الحبيبة، فأسعدني اللقاء به وبشقيقه العزيز صلاح وبكرمهما الحاتمي.

     تفاجئت أثناء زيارتي بعدد من الاصدقاء القدامى وقد تلوثوا بجرثومة الطائفية المقتيتة ، لكني وجدت أبا يعرب واقفا كالجبل الشامخ متمسكا بهوية عراقية أصيلة ، حرصت على أن التقيه منفردا لتبادل الأراء فوجدته متألقا فكريا ، إستمتعت بآرائه وفكرة النير، فكلما وجهت له سؤال وأشرت الى كتاب أجده قد سبقني بالاطلاع عليه ، مؤيدا او مفندا ما به من آراء.

    ما أحزنني في ذلك اللقاء ان الاخ أبا يعرب نقل لي خبرا مؤسفا جدا ، اذ قال لي  ان نخيل واشجاربستانهم في الدورة قد قضي عليها نتيجة شحة الماء ، وعدم وجود الفلاحين ، الذين كانوا في السابق يأتون من الحلة او كربلاء للعمل فيها.

تحية لاخي أبا يعرب ، وأسال الله أن يديمه صديقا عزيزا ، وان نسعد بلقائه في وقت قريب ، مع محبتي .

انهيار اسعار النفط ، نعمة ام نقمة ؟ طاهر البكاء

انهيار اسعار النفط ، نعمة ام نقمة ؟

طاهر البكاء

كانون الثاني 2015

     استخدمت اغلب الدول المنتجة للنفط وارداته لتطوير مصادر دخلها فاعتنت بزراعتها وصناعتها وجعلتهما مصدرين رديفين للثروة  بالاضافة للنفط ، الا العراق لم يفعل ذلك ، إذ حل النفط نقمة على صناعته وزراعته ، فقد كان العراق يصدر كثيرا من المنتجات الزراعية كالرز والسمسم والقمح والتمر ، لكن ما إن اصبح النفط مصدرا رئيسيا للاموال حتى اهملت الزراعة والصناعة ، واصبح الاقتصاد العراقي “ريعيا ” ، ورئيس الدولة كشيخ عشيرة يمتلك الاموال ويوزعها ، بل يبذرها ، كيف يشاء .

   أقول ان الارتفاع الكبير لاسعار النفط في السنوات الخمسة الماضية قد اصاب المسؤولين العراقيين بالعمى وجعلهم يتصرفون بارتجال ، فلا تخطيط ، ولا برامج زراعية او صناعية ، وبقى منتسبو المؤسسات الصناعية المنحلة او المعطلة يتقاضون رواتبهم دون ان يقوموا باي عمل ، وتم القضاء حتى على الزراعة بفتح اسواق العراق على منتجات دول الجوار فاستورد العراق منها  الفواكه والخضر بل وحتى اللبن والماء والتمر ايضا. وهكذا تحول النفط من نعمة الى نقمة قاتلة .

بانهيار الزراعة والصناعة اصبحت الوظيفة الحكومية مصدرا وحيدا للرزق ، وبتهور وغرور جرى تعين اعداد كبيرة من الموظفين والتعاقد مع آخرين ، لا لحاجة تلك الدوائر لخدماتهم ، بل لاضافة بطالة مقنعة جديدة الى التي سبقتها ، فتضخم جهاز الدولة ربما اكثر من 400% ، دون انتاجية تدر واردات للخزينة.

اليوم هبط سعر النفط الى 45 دولارا للبرميل في أمريكا ، وغدا ستهبط اسعار نفط الشرق الاوسط ، فهل ستكفي واردات النفط العراقي لتغطية رواتب هذا الكم الهائل من الموظفين ، بالاضافة لتوفير نفقات الحرب على الارهاب ؟.

يتصور الكثير من الناس ان هبوط اسعار النفط ستكون كارثة على العراق ، وهي هكذا بظاهر الامور وبالمدى القصير ، وان الازمة ستطول إن لم تتنبه الحكومة العراقية وتصحوا من نشوة واردات النفط المرتفعة ، الامر الذي نبه له الشاعر الكبير الجواهري سابقا بقوله :

ستبقى طويلا هذه الازمات ..… اذا لم تقصر من عمرها الصدمات
اذا لم ينلها مصلحون بواسل ..……….. جريئون فيما يدعون كفاة

وها هي صدمة انهياراسعار النفط تصيب واردات الحكومة العراقية وتشل قدرتها ، وتعطل برامجها ، وجعلتها عاجزة عن وضع ميزانية سنوية دون عجز كبير جدا ، مما سيجبر الحكومة على الاستدانة من دول او البنك الدولي بارباح ليست قليلة . وبهذا تكون الحكومة العراقية قد تسببت بكارثتين الاولى ، انها خسرت فرصة ارتفاع اسعار النفط ، لاحداث نقلة نوعية في الاقتصاد ، والثانية تكبيل العراق بمديونية جديدة ، بعد ان تخلص من أغلب مديونياته التي سببتها الحروب السابقة .

   لكن هل من الممكن تحويل انهيار اسعار النفط الى نعمة ؟ اقول هذا ممكن اذا استيقظت الحكومة العراقية من سكرتها ، وتخلت عن اسلوب المحاصصة اللعين الذي جلب إناس لاخبرة لهم في الاقتصاد والادارة  فجعلت من طبيب بيطري وزيرا للتجارة ، ومن طبيب بشري وزيرا للمالية ، ومقاتل وزيرا للنقل ، ومن غير تربوي وزيرا للتربية ، والامثلة طويلة جدا. وتعتمد على الكفاءات والخبرات العلمية الوطنية ، وتضع الرجل المناسب في مكانه الطبيعي، وتشجع القطاع الخاص وذلك من خلال تشريع قوانين تحميه وتدفعه للاستثمار ، فتتوفر فرص عمل جديدة ، تجعل المواطن يفضل الوظيفة في القطاع الخاص على نظيرتها الحكومية ، وهذا يتطلب اصدار قوانين تقاعد وضمان جديدة يتساوى فيها موظف القطاع العام والخاص.

أما اذا اصرت الاحزاب الحاكمة على سياساتها التي لا تخدم سوى تلك الاحزاب وكوادرها ، فان الكارثة ستحل على الجميع ، مما سينتج عنها أزمات لا قبل للجميع على تحملها ، وهنا ينطبق عليها قول الجواهري العظيم :
سيبقى طويلا يحمل الشعب مكرها . مساوئ من قد ابقت الفترات
ألم تر ان الشعب جل حقوقه ……….. هي اليوم للأفراد ممتلكات
مشت كل جارات العراق طموحة …. سراعا ، وقامت دونه العقبات
ومن عجب أن الذين تكفلوا ………..……. بأنقاذ اهليه هم العثرات