قراءة هادئة في دعوة السيد علي الأديب لألغاء مجانية التعليم

قراءة هادئة في دعوة السيد علي الأديب لألغاء مجانية التعليم

طاهر البكاء

تموز 2016

طالب السيد علي الأديب عضو البرلمان العراقي ووزيرالتعليم العالي والبحث العلمي السابق الغاء مجانية التعليم في المستويين الجامعي والثانوي والاكتفاء بمجانيته في مرحلتي الدراسة الابتدائية والمتوسطة ، وعزا ذلك إلى الكلف العالية التي تتحملها خزينة الدولة ، وقال إن كل طالب جامعي يكلف الميزانية العامة 13 مليون دينار عراق أي مايقارب 10 ألف دولار أمريكي .

أقول إن التعليم بشكل عام وفي كل مستوياته أصبح متاحاً كالهواء بموجب قرارت مجانيته 1973 ، و شرع قانون التعليم الإلزامي رقم (118) لسنة 1976 ، الذي فرض على كل عائلة عراقية قانونيا تسجيل أبنائها وبناتها حين بلوغهم السادسة من العمر في المدارس الابتدائية ، وبعكسه تتعرض العائلة إلى مسائلة قانونية منها السجن والغرامة المالية “[1]” وطبق هذا القانون في جميع أنحاء العراق ابتداءاً من العام الدراسي 1978 – 1979 ، وحسب تقرير اليونسكو إمتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى 1980 ، نظاما تعليميا يعد من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة ، قدرت نسبة المسجلين بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100% . إذ بلغت حصة التمويل التربوي 6% من الناتج القومي و 18% من الموازنة العامة للدولة “[2]. ، على الرغم من كل الظروف القاسية التي مر بها العراق من حروب عبثية وحصار جائر والتي تركت تأثيراً سلبياً هائلاً على الأوضاع المعاشية للناس ، بحيث أصبح رغيف الخبز الأبيض شحيحاً بل غير متوفرٍ بالمطلق،  إلا لذوي الحظ العظيم ، حتى أن النظام أصدر حينئذ قوانين غير مألوفة ، لعل أبرزها إنزال عقوبة الإعدام بمن يقوم بتصنيع أي نوع من الحلويات ، وبالرغم من كل هذه القسوة إلا أن النظام لم يتحرش بمجانية التعليم ، لكنه، بلا شك ، اضطر إلى تقليص الإنفاق على التعليم بكل مستوياته .

وحتى قبل قرارات 1973 أي في ستينيات القرن الماضي ، كان التعليم مجانياً في كل المستويات ، والسيد علي الأديب نفسه أنهى دراسته الإبتدائية والثانوية والجامعية مجاناً ، ونال درجة الماجستير 2009 دون أن يدفع أي مبلغ.

نصت الفقرة ثانياً من المادة 34 من الدستور العراقي الدائم لسنة 2005 على ( التعليم المجاني حقٌ لكل العراقيين في مختلف المراحل) “[3]” ، وعليه يكون السيد علي الأديب ، الذي كان عضواً فعالاً في لجنة كتابة الدستور ، قد ارتكب مخالفة دستورية بطرحه اقتراح إلغاء مجانية التعليم في المستويين الجامعي والثانوي.

قال السيد علي الأديب إن كلفة الطالب الجامعي الواحد يكلف الخزينة العامة 13,000,000 دينار عراقي ، وحسب تقرير وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الصادر 2014 فإن عدد الطلبة الملتحقين فعلياً بالدراسة الجامعية الأولية للسنة الدراسي 2012 – 2013  بلغ 151,483 طالباً وطالبة “[4]” وإذا اعتمدنا هذا الرقم كمعدل للقبول لأربع سنوات يكون عدد طلاب الجامعات العراقية 605,932 طالباً وطالبة ، وبحساب كلفة الطالب الواحد 10 آلاف دولار أمريكي يكون مجموع ما تنفقه الدولة على طلاب الدراسات الجامعية الأولية فقط 6,059,320,000 دولار أمريكي وهذا رقم فلكي كبير ، وإذا أضفنا لهذا الرقم كلفة طلبة الدراسات العليا الذين بلغت أعدادهم للسنة الدراسية ذاتها في مرحلة الدكتوراه 4389 والماجستير 18102 والدبلوم 1815″[5]” فإن الكلفة تكون كبيرة ايضاً. وهذا التكلفة المادية أكبر بكثير من الميزانية المخصصة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، وعليه لابد للسيد علي الأديب أن يوضح كيفية استدلاله على الكلفة السنوية للطالب الجامعي الواحد.

يبدو أن السيد علي الأديب طرح هذا الرأي متأثراً بالأزمة الاقتصادية التي يمر بها البلد ، وليس عن قناعة فلسفية ، بدليل أنه في مدة استيزاره 2010 -2014 أسس 10 جامعات جديدة فضلا عن الكليات والأقسام العلمية ، وتوسع القبول في الدراسات العليا خلال تلك المدة بشكل كبير، دون مراعاة حاجة سوق العمل لأصحاب الشهادات العليا.

ماهو الحل ؟:

كان على السيد علي الأديب أن يطرح الموضوع بطريقة ثانية وهو السياسي المخضرم والمتخصص في علم النفس ، وكان لابد أن يدفعه اختصاصه وتجربته السياسية والوظيفية إلى تبني فلسفة تربوية تبني الإنسان علمياً وسلوكياً.

من المعروف أن كل مايحصل عليه الإنسان بسهولة يفقده بسهولة أيضاً ، بعبارة أخرى ، إن الإنسان يحرص على مايحصل عليه بكده ومعاناته ، أما ما يأيته دون معاناة فيستهين به ولا يحرص عليه .

إن من أبرز السلوكيات الخطيرة في المجمع العراقي ذلك العداء بين المواطن والملكية العامة ، إذ لا يحرص المواطنون بشكل عام على الملكية العامة ، ويتعمد كثير منهم تخريبها ، الأمر الذي يمكن تلمسه بسلوك المراهقين في تكسير مصابيح الشوارع التي تنير لهم ولغيرهم الطرقات، وكذا مع مقاعد الباصات والقطارات ومقاعد الدراسة في المدارس. لكنهم لايقومون بذلك في الملكيات الخاصة ، لأنهم سيتعرضون للمحاسبة المباشرة عن أي أذىً يلحقونه بتلك الملكيات.

لابد من الاعتراف هنا أن هناك هدراً كبيراً بالمال العام ، وإنفاقاً لامبرر له نتيجة ذلك السلوك الاجتماعي ، وبغية تشذيب ذلك السلوك ، والحد من الهدر بالمال العام ، لابد من تبني سياسات في مختلف المجالات والحقول تهدف إلى بناء الإنسان أولاً ، ومن تلك الحقول قطاع التعليم .

لذا فبدلاً من إلغاء مجانية التعليم في المستويين الثانوي والجامعي لابد أن نعالح إيقاف الهدر أولاً ، بتبني فلسفة تربوية وتعليمية  توفر الفرص للراغبين بإكمال دراساتهم بجدية ، وتضع حداً للمتطفلين على تلك الدراسات.

ومن أجل تحقيق ذلك أقترح مايلي :

  • تأسيس صندوق تسليف الطلبة ، يغطي هذا الصندوق الكلف الدراسية للطلبة ونفقات معيشتهم ، عبر دائرة في كل جامعة. يقوم الطالب بتسديد تلك الكلف بعد تخرجه وحصوله على عمل بأقساط شهرية ولمدة طويلة.
  • بغية دعم وتشجيع الطلبة المتميزين لابد من وضع برنامج لإسقاط نسبة من تلك السلف في حالات محددة مثل إنهاء الطالب دراسته دون رسوب، وحصل على معدل ممتاز يعفى من كل القسط او نسبة عالية جداً منه ، واذا حصل على معدل جيد جداً يعفى من نسبة أقل وهكذا تنازلياً.
  • تحميل الطالب الكلفة المادية عن كل سنة رسوب ، ولا يشمل بأي تخفيض من نسبة السلفة ، حتى وإن حصل على تقدير جيد في المعدل النهائي للتخرج. ويشمل في حالة كان معدله العام بتقدير امتياز فقط.
  • بغية تخفيف العبء عن الجامعات الحكومية ينبغي تطوير التعليم غير الحكومي وذلك بتشديد شروط منح إجازات التأسيس لأي مؤسسة غير حكومية وفرض رقابة صارمة عليها ، من خلال جهاز الإشراف والتقويم. وإخضاعها لتقيم أداء سنوي جدي.
  • ومن أجل دعم التعليم غير الحكومي والنهوض به لابد من شمول الطلبة الملتحقين فيه بالسلف التي يمنحها صندوق تسليف الطلبة.
  • تحديد أعداد الطلبة المقبولين في كل قسم علمي وفقاً لحاجة سوق العمل ، وقابلية القسم العلمي.
  • الاهتمام بالتعليم التقني الوسطي ، لحاجة البلاد الكبيرة للكوادر الوسطية ، صناعية ، تجارية ، زراعية .
  • أما على مستوى الدراسات العليا ، فمن الضروري جداً إيقاف القبول في كل الأقسام العلمية التي لا تتوافر فيها شروط فتح مثل هكذا دراسات ، وتقليص القبول في الأقسام الأخرى التي استكملت الشروط ، ووضع ضوابط ثابتة للقبول يكون المعيار الوحيد لذلك هي المفاضلة العلمية لاغيرها . وذلك وفق حاجة البلد للاختصاصات ، فمثلاً يقبل الناجح الأول فقط من الأقسام التي تكون الحاجة محدودة جداً لذلك الاختصاص ، والناجحان الأول والثاني في الأقسام التي يحتاج البلد لذلك الاختصاص وهكذا دواليك ، وبذلك نقضي على أي تدخل أو استثناء يمارسه هذا الوزير أوذلك المسؤول .
  • لكن قبل كل ذلك يجب أن نخلص التعليم من التدخلات السياسية والحزبية ، وأن تمنح الجامعات إستقلالية حقيقة ، برفع الغطاء الثقيل الذي تمارسه الوزارة عليها ، وأن نتمسك بفلسفة تربوية ، لا بسياسة هذا الوزير ومزاجه أو ذاك.

هذه آراء أردت أن أساهم فيها لتطوير التعليم في بلادي ، وهي قابلة للتعديل والإضافة من قبل المختصين ، واللهُ والوطنُ وأبناؤه من وراء القصد.

[1]  –  ينظر : قانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976.

[2]  – علي شديخ الزيدي ، النظام التربوي وتقلبات الإقتصاد السياسي في العراق ، دراسات نربوية ، مجلة علمية محكمة ، يصدرها مركز البحوث والدراسات التربوية في وزارة التربية ، العدد 23 تموز 2013 ، ص 43 .

[3] – ينظر الدستور العراقي الدائم لسنة 2005 ، ص 18.

[4] – وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، التعليم العالي والبحث العلمي ، أرقام وحقائق ، إنجازات ثلاث سنوات  2011 ، 2012 ، 2013 ، بغداد 2014 ، ص 22.

[5] – المصدر نفسه ، ص 36.

الكليات والجامعات غير الحكومية “الاهلية ” ومسؤولية وزارة التعليم العالي

آراء: الكليات الأهلية ومسؤولية وزارة التعليم العالي

طاهر البكاء


لم يعرف العراق جامعات غير حكومية منذ عدة عقود، الا ماندر، لذا انفردت الجامعات الحكومية بمهمة التعليم العالي، الامر الذي كلف الدولة اموالا طائلة، وجعلها تتحكم بشكل مركزي بشعيرات العملية التعليمية.

 

ان التوسع بفتح الجامعات غير الحكومية ضرورة تحتمها الحاجة للتنوع، وتوفير فرص اوسع امام الطلبة لاختيار الاختصاصات التي يرغبون، بما يتطابق مع مواهبهم وهواياتهم وطموحاتهم، الامر الذي يرفد المجتمع بكفاءات واختصاصات مختلفة، فضلا عن ذلك فانها توفر فرص عمل اضافية، وتساهم في القضاء على البطالة.
ظهر في تسعينيات القرن الماضي، بحكم الحاجة اثناء الحصار الذي فرض على العراق 1990- 2003، عدد من الكليات الجامعة، اتسم بعضها بالرصانة، وشاب بعضها الاخر الضعف.
وبما ان الكليات والجامعات غير الحكومية تدار ذاتيا في كل المجالات، التمويل، القبول، التعيين، وغيرها، وبغية تحقيق الاشراف العلمي عليها استحدث في الوزارة“ مجلس الكليات والجامعات الاهلية”، وتولت دائرة الاشراف والتقويم تدقيق الشروط الواجب توفرها لتاسيس كلية او جامعة، منها وجود هيئة مؤسسة من مجموعة من الاكاديميين غير المنتسبين لاحدى الجامعات، تكون صاحبة امتياز، فضلا عن بناية ملائمة، وملاك علمي تدريسي كاف في كل قسم علمي، ومفردات المناهج العلمية في كل اختصاص، وغيرها من الشروط الضرورية، كل ذلك جزء من متطلبات ضمان الرصانة العلمية وتحقيق مستوى مقبول لمخرجات تلك المؤسسات.
تابع جهاز الاشراف والتقويم عمل الكليات الاهلية، وحقق اشرافا مباشرا، تجلى ذلك بغلق “كلية شط العرب” في البصرة قبل 2003، بعد ان ثبتت عليها مخالفات علمية، منها قبولها لاحد ابناء المسؤولين الكبار آنذاك، ومنحه درجات دون ان ينتظم بالدوام، وفي عام 2004 اعفت الوزارة صاحب امتياز وعميد كلية اليرموك الجامعة في بعقوبة ووضعتها تحت اشراف جامعة ديالى الرسمية، لان صاحب الامتياز فتح اقساما لتدريس الصيدلة وطب الاسنان، وهذا مالا تسمح به الوزارة في الكليات الاهلية حينئذ، لعدم توفر الكادر التدريسي، والاجهزة المختبرية الكافية. وكرر هذا الشخص الامر ذاته ففتح جامعة في السليمانية 2004، لكن الوزارة استطاعت بالتفاهم مع المسؤولين هناك وأد تلك المحاولات بعد عام من قيامها.
كانت بعض المنظمات المهنية القومية، التي تتخذ من بغداد مقرا لها، قد اسست معاهد للدراسات العليا في بغداد قبل 2003 منها معهد التربويين العرب، ومعهد التاريخ العربي، وقد حاول المشرفون على هذين المعهدين انتزاع اعتراف رسمي بالشهادات التي يمنحانها، ومارسوا ضغوطاً كبيرة جدا، شاركهم فيها اشخاص من مستويات عليا في الدولة انذاك، الا ان وزارة التعليم العالي واعتمادا على مقاييس علمية رصينة رفضت الاعتراف بها.
كرر المسؤولون عن المعهدين المحاولة في 2004 ، وقد عرض طلبهم على مجلس الوزارة، وبعد مناقشات مستفيضة شارك فيها رؤساء الجامعات العراقية، وبحضور رئيسي المنظمتين العربيتين، صوت مجلس الوزارة بالاجماع على رفض الاعتراف بالشهادات التي يمنحها المعهدان، والتوصية بغلقهما، لكن احد وزراء التعليم العالي فيما بعد خضع لضغوط من قوى نافذة ومؤثرة، واتخذ قرارا فرديا فتح الباب بموجبه للاعتراف ببعض شهادات معهد التاريخ العربي، مخالفا بذلك قرار مجلس الوزارة، المشار اليه اعلاه، وهذا لعمري تعبير عن سطوة الفرد في الدولة العراقية .
تأسس بعد 2003 عدد من الكليات والجامعات الاهلية، وهذه ظاهرة ايجابية،  تتطلب الرعاية والحماية، والاخذ بيدها والحرص على انجاحها، بنفس القدر الذي نحرص به على الجامعات الحكومية لم لا وهي تشارك في اعداد الكفاءات العلمية ، واذا ما علمنا ان ارقى الجامعات في العالم هي جامعات اهلية خاصة، مثل الجامعة الاولى “ هارفرد” وغيرها الكثير، لادركنا حجم الواجب والمسؤولية اللتين تحتمان علينا، رعاية وحماية هذه المؤسسات العلمية حتى من بعض مؤسسيها، خوفا من تحويلها الى مشروع تجاري ربحي، علي حساب الر صانة العلمية؟ وهنا لا نلغي الهدف الربحي المشروع لاصحاب الامتياز، لكن يجب ان يتحقق ذلك مع مخرجات نوعية و جيدة بحيث يفتخر الطالب بتخرجه من كلية اهلية تتمتع بمستوى راق مشهود له.
ان وزارة التعليم العالي قادرة على انجاح التعليم الاهلي والارتقاء به، خاصة وانها تمتلك السلطة والحق القانوني، بالاعتراف او سحبه بمخرجات تلك الكليات، وان لا تخضع او تستجيب لاية ضغوط مهما كان مصدرها.
للوصول الى الهدف المنشود على المسؤولين في الوزارة اتخاذ عدة خطوات منها :-
1-
التشدد في توفر مستلزمات التاسيس، وعدم التساهل بها، من حيث البنايات الملائمة، المختبرات، الكادر التدريسي، المناهج، وكل المستلزمات الاخرى.
2-
مراقبة اسس القبول، اذ يجب ان تستند الى قواعد واضحة، تحقق العدالة، على اسس تنافسية بين الطلبة، والتصدي لاية حالة قبول لاتستند على المعدل .
3-
وضع معايير نوعية ثابتة يجب توافرها قبل منح اجازة التأسيس، ومراقبتها بعد ذلك، وسحب الاجازة في حالة النقص او الاخلال باي منها.
4-
تفعيل اجتماعات مجلس الكليات والجامعات الاهلية، ومنحه الصلاحيات المطلوبة، كجهة تصديق على قرارات مجالس الكليات الاهلية ، وكجهاز مراقبة على ادائها .
5-
وضع حوافز ومنح تشجيعية للكليات الاهلية المتميزة .
6-ان تقوم الوزارة باعلان تقرير تقييم سنوي ، تظهر فيه درجات اداء كل واحدة من تلك الكليات، ما يؤثر على التوجه اليها من قبل الطلبة او العزوف عنها .كل ذلك يجب ان يكون بهدف انجاح التجربة ، لافرض الوصاية عليها، وبهذا تكون الوزارة جهة مراقبة وتقييم، وهو مانطمح ان يمتد الى الجامعات الرسمية.
والله وابناء الوطن من وراء القصد.

 

استقلالية الجامعات ضرورة وطنية ملحة

استقلالية الجامعات ضرورة وطنية ملحة

طاهر البكاء

Tahir@albakaa.com

تعاني الجامعات العراقية منذ زمن غير قصير من تسلط مركزي فقدت بسببه المرونة المطلوبة للابداع والابتكار والتميز ، وغدت متطابقة بكل شيئ ، كما هو الحال في المدارس الثانوية ، وتدخلت الوزارة في مراحل معينة ، وابتكرت الامتحانات الوزارية في مواضيع مختارة . فضلا عن هذا فقد سلب من الجامعات استقلالها المالي الذي كانت تتمتع به في ستينات القرن الماضي ، واخضعت الموازنات المالية للجامعات الى قيود وزارة المالية .

عقدنا في صيف 2004 المؤتمر السابع للتعليم العالي ، الذي رسم السياسة التي يجب على الجامعات والوزارة انتهاجها ، وقد حولنا تلك السياسة الى قرارات وتعليمات ، ونقلنا كثير من الصلاحيات الى الجامعات منها على سبيل المثال لا الحصر ، صلاحية التعيين ، حرية السفر ، الغاء الكتاب المنهجي ، اختيار المرشحين للبعثات ، تنفيذ مشاريع الاعمار والمشاريع الهندسية ، وحرية وضع المناهج الدراسية . الا ان كل تلك القرارات التي اتخذناها وتوصيات المؤتمر السابع تم تعطيلها ، و وضعت على الرفوف واصبحت في خبر كان . وسلب من الكليات والجامعات مؤخرا حتى حق تعين فراش .

تعود اسباب ذلك الى اننا الى الان لم نستطع التخلص من سطوة الفرد المسؤول الاول في المؤسسة ، اذ اننا في الشرق مصابون بمرض عضال الا وهو ” شخصنة القضايا العامة ” ، فدولنا ومعارضتنا ومؤسساتنا مصاب بهذا الوباء ، ولم تسلم الجامعات ومؤسساتنا العلمية منه .

ان بعض ممن يتولى المسؤولية في الوزارة الان عاش كل عمره خارج الوطن ، ودرس في جامعات تتمتع باستقلالية تامه ، وكنا نتوقع منهم ان ينقلوا التجارب التي اكتسبوها الى جامعاتنا ، غير ان ما حدث هو العكس تماما ، فقد الغي نظام القبول المباشر الذي كان متبعا في جامعة النهرين ، والذي كنا نأمل ان تتهيئ الظروف لتعميمه تدريجيا ، واحتكرت الوزارة حق التعين ، وفرضت على الجامعات اشخاص باختصاصات لم تكن الاقسام العلمية بحاجة لها ، ويعاني نظام البعثات منذ ان اطلقناه في 2004 من تلكؤ بارز ، لان الوزارة تحتكر ذلك لنفسها ، فلو اعطيت صلاحيات ارسال المبعوثين للجامعات لكان الاختيار اكثر دقة ، و لن نجد اي مبعوث حائرا ومتأخرا عن الالتحاق بدراسته الى هذه اللحظة .

عندما اطلق مجلس الاعمار عام 2004 دفعات شهرية سخية لاعادة الاعمار في الجامعات ، حاول عدد من المسؤلين الماليين في الوزارة اناطة مسؤولية الاعلان واحالة مشاريع الجامعات بمركز الوزارة ، بحجة الحيلولة دون وقوع حالات ” فساد”  ، ومع ايماني بحسن نواياهم ، الا نهم بذلك اتخذوا من الشك قاعدة ، والاولى ان تكون الثقة هي القاعدة والشك هو الاستثناء ، لكننا عقدنا اجماعا ضم رؤساء الجامعات ومدراء المالية والهندسية فيها ، واتفقنا على اليات العمل ، وانيط بكل جامعة مسؤلية تنفيذ مشاريعها ، وقدمت الوزارة العون الفني للجامعات التي طلبته ، وبشكل خاص الحديثة منها . وها هي المشاريع ترتفع شامخة ، بفضل لامركزية التنفيذ .

وعلى المستوى الاداري الروتيني نرى ان مدير عام او ربما مدير قسم بالوزارة يعطل قرار رئيس او مجلس جامعة ، باستخدام صلاحية الوزير ، مع ان رئيس الجامعة درجة خاصة ، بمستوى وكيل وزارة .وهذا خلل ادري لايمكن اصلاحة الا باستقلالية الجامعات .

في ظل المركزية تتخذ قرارات فردية ، لايمكن تبريرها ، منها على سبيل المثال ، الغاء شرط العمر للقبول بالدراسات العليا ، قد يكون الالغاء اجتهاء ممكن الدفاع عنه ، ولكن كيف لنا ان ندافع ونسوغ ، كون هذا القرار لهذه السنة الدراسية فقط ؟ ، هل كان للجامعات راي في هذا القرار ؟.

رايت في الجامعات المتقدمة نظاما اداريا وماليا ، ونظام قبول ، غاية في الروعة ، فان دائرة القبول ، على سبيل المثال لا الحصر ، تتمتع باستقلالية ، لا يستطيع رئيس الجامعة او العميد التدخل في شؤونها ، او التاثير في قبول طالب ما ، وان تعين استاذ من صلاحية القسم والعميد لاغير ، وكل واحد منهم يتمتع بصلاحيات صرف مالي محددة ، يمارسها دون الحاجة لقرار مركزي .

تحقق استقلالية الجامعات فضلا عن خلق بيئة مناسبة للابداع ، استغناء الاستاذ والطالب عن مركز الوزارة ، الا عندما يضطر الى ذلك ، للتظلم من الجامعة .

هل سنمتلك الشجاعة لنوزع ثقل المسؤلية الذي تنوء به الوزارة  ، ونلقي بها على الجامعات ، ونحول الوزارة الى هيئة مراقبة واشراف وتقويم او محاسبة .

والله والوطن من وراء القصد .

ظاهرة الدراسة المفتوحة ومسؤولية وزارة التعليم العالي

ظاهرة الدراسة المفتوحة ومسؤولية وزارة التعليم العالي

طاهر البكاء

tahir@albakaa.com

        نشطت بعد 2003 عدة جهات داخل العراق وخارجه تروج للدراسة عن بعد او مايسمى بالدراسة بالمراسلة ، ادعى اصحابها ان المؤسسات التي يمثلونها علمية معترف بها رسميا في دول المقر وهذا محل تساؤل ، وقد استغل اصحابها عطش العراقيين وشغفهم للتحصيل العلمي ، فصوروا ان شهادات هذه الدراسة معادلة لشهادات الجامعات الرصينة ، وهذا ادعاء ليس لها على ارض الواقع اي دليل ، بل ان ماينقضه هو الاجلى والاوضح .

      ففي صيف 2003 نشط احد العراقيين باسم الجامعة الماليزية ، و قام احد الاردنيين بنشاط محموم للترويج الى جامعة ” سانتكلمنس ” ، وقد ساعد هؤلاء الشخصين وسهل مهمتهم  بعض منسبي الجامعات العراقية من ذوي الاغراض الخاصة ، واستطاع هذين الشخصين اصطياد الكثير من العراقيين ممن لم تتيسر لهم فرص القبول في الدراسات العليا لمختلف الاسباب ، لعل ابرزها عدم استكمال الشروط التي تؤهل اصحابها للقبول .

     تصدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي 2004-2005 الى هذين الشخصين ، ونشرت اعماما وطبعت بوسترات تحذر العراقيين من الوقوع في شباك وفخاخ هؤلاء ، ومما يؤسف له ان بعض المؤسسات العراقية ، بحسن نية او لمصالح خاصة ، وفرت اغطية لهؤلاء ، كما فعلت كلية الامام الاعظم عندما استضافت مايسمى بالجامعة الماليزية ، او كما فعلت جامعة اربيل عندما وقعت اتفاقية مع  مايسمى  بجامعة ” سانتكلمنس ” ، وقد الغت جامعة اربيل في حينها الاتفاقية ، بعد ان بينا لها في حينها وهمية هذه الشخص ومايمثلها .

     تشهد الساحة العراقية هذه الايام بالاضافة الى ماذكرنا اعلاه ، نشاط لاشخاص باسماء جامعات اخرى مثل الجامعة الحرة في هولندا ، والجامعة العالمية في لاهاي ، وجامعة لاهاي للصحافة والاعلام ، والجامعة الدنماركية ، والجامعة الكندية الكندية ، و غيرها كثر ، وتظهر اعلانات لهم في صحف ومواقع الكترونية ، تقول تلك الاعلانات انهم يوفرون الفرص للحصول على شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه ، واعلنوا عن افتتاح فروع لهم في النجف والكوت ، وقال احدهم ان عدد المسجليين في محافظ النجف وحدها بلغ 500 شخص ، وبعملية حسابية بسيطة لو ان كلفة الدراسة 2000 دولار فقط فان هذه المؤسسة اخذت مليون دولار من ابناء النجف فقط ، كما ان شخص اخر اقام احتفال في الكوت لافتتاح فرع لجامعته ، قال الخبر ان رئاسة واساتذة جامعة الكوت حضروا ذلك الاحتفال ، وهنا يبرز سؤال هل اصبح فتح وتاسيس فروع لجامعات اجنبية دون ضوابط وشروط ومقاييس عراقية ؟ ، كل هذا ووزارة التعليم العالي لم تحرك ساكنا للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة .

     ان المسؤلية العلمية والوطنية والاخلاقية والوظيفية  تقع على وزارة التعليم العالي لحماية ابناء العراق من موجة الاستغلال هذه ، ومع تقديري ان الوزارة واقعة تحت ضغوط جهات سياسية نافذة ، الا ان ذلك لايعفيها من المسؤولية القانونية ، لذا اقترح ان يقوم جهاز الاشراف والتقويم بالوزارة ، وهو جهاز يشبه في دوره الوظيفي جهاز التقيس والسيطرة النوعية ، الذي يمنح شهادة النوعية لكل البضائع ومنها الذهب ،ان يقوم بما يلي :-

  • قيام والجامعات والوزارة بحملة توعية اعلامية لغرض تنبه ابناء العراق من مخاطر الوقوع في شباك تلك الجهات .
  • منع منتسبي الجامعات العراقية من التعاون مع هذه المؤسسات والمشاركة في نشاطاتها .
  • الاعلان بان لامجال للاعتراف بشهادات تلك الجامعات باي حال من الاحوال .
  • اتخاذ اجراءات قانونية وقضائية ضد الاشخاص الذين يروجون لهذه المؤسسات ، والعمل على استرداد المبالغ التي استوفوها من العراقيين .

ان الكتابة عن هذا الموضوع تهدف اولا واخيرا التنبيه لمخاطر هذه الظاهرة من اجل حماية ابناء العراق .

والله وابناء الوطن من وراء القصد .

في ضوء قرار وزارة التعليم العالي احالة عدداً من الاساتذة على التقاعد

في ضوء قرار وزارة التعليم العالي احالة عدداً من الاساتذة على التقاعد  

د. طاهر البكاء

 تشرين الاول 2008

 احالت وزراة التعليم العالي على التقاعد هذه الايام عدد كبير من الاساتذة ممن بلغوا السن التقاعدي ، حسب قانون الخدمة الجامعية . واذا ماعرفنا ان هؤلاء من حملة الالقاب العلمية المتقدمة ، واضفنا اليهم العدد الكبير الذين غادروا الوطن ، بسبب الوضع الامني ، لادركنا حجم الخسارة العلمية التي منيت وستمنى بها الجامعات العراقية .

     ان تطبيق القوانيين والالتزام بها أمر جيد و مرحب به ، ولكن في ظل الظروف الحالية ، والنقص الهائل في الكفاءات العلمية ، الذي اسهم فيه اضافة الى اضطرار اعداد كبيرة للهجرة ، التوسع الهائل في فتح جامعات وكليات جديدة .تفرض علينا الاحتفاظ بهذه الكفاءات المتقدمة والنادرة ، خاصة وان اغلبهم يتمتعون بقابليات بدنية ، تؤهلهم للاستمرار في مسيرة العطاء الثر .

      تستقطب ارقى الجامعات بالعالم كوادرعلمية متقدمة قبل و بعد احالتهم على التقاعد في بلدانهم ، واثناء سنتي البحثية في الجامعة الاولى في العالم ” هارفرد” في الولايات المتحدة الامريكية ، شاهدت اساتذة بلغلوا من العمر عتيا ، منهم على سبيل المثال لا الحصر رئيس قسم الفيزياء الذي شارف على التسعين من العمر ، كما ان الجامعة ذاتها احتفظت بالاستاذ العراقي المرحوم فخري البزاز ، رغم اصابته بمرض عضال ، الى ان توفاه الله في الشتاء الماضي ، فوقفت الجامعة حزنا على فقده .

    من المعروف بداهة ان الاساتذة تتجذر تجاربهم ، ويتعمق عطائهم ، كلما كثرت ابحاثهم ، التي تصبح نوعية بتراكم عطائهم .

     كم خسرت جامعة بغداد عندما احيل المرحوم علي الوردي على التقاعد ، وهو لم يزل معطاءا ؟ ، وهل توقف الاستاذ حسين علي محفوظ عن العطاء بعد احالته على التقاعد ؟ الم تضطر الجامعة التي احالته على التقاعد للاستعانة به لاكثر من عقدين للاشراف على طلبة الدراسات العليا ؟ الم تتلقف الجامعة الاردنية المؤرخ العراقي عبد العزيز الدوري ، و عبد الامير محمد امين ، وحسين القهواتي ؟ وهناك مئات غيرهم .

        ايعقل ان تخسر الجامعات اساتذة من امثال كمال مظهر احمد ، وهاشم التكريتي ، وغيرهم بالعشرات الذين تضمنتهم قائمة الاحالة على التقاعد ؟

       لم اتردد لحظة 2004 باعادة المرحوم الاستاذ الدكتور عبد الامير الورد الى الخدمة ، الذي اضطر في تسعينيات القرن الماضي الى احالة نفسه على التقاعد ، لتردي الوضع المعيشي للاساتذة .

      واذا كان العمر مقياسا وحدا فاصلا ، تتوقف عنده مسيرة العطاء ، فالاجدر ان يطبق على من يحتلون مواقع قرارات خطيرة ، لها مساس مباشر بحياة ومستقبل البلاد والعباد .

    لي ثقة مطلقة لو ترك الامر للجامعات لما ضحت بهذه النخبة الخيرة ، لكن المشكلة تكمن ، كم اشرت غير مرة ، في المركزية الشديدة التي تمارسها الوزارة ، التي هي غالبا تعبر عن سياسة وزير لا فلسفة وزارة .

  علينا ان نفكر باسلوب خلاق ، ونجد طريقة تكفل استمرار هؤلاء العلماء بالعطاء العلمي والاشراف على طلبة الدراسات العليا ، منها على سبيل المثال لا الحصر ، تفعيل ما يطلق عليه في الجامعات الغربية ” استاذ كرسي ” او استاذ زائر ، او استاذ خبرة .

  انتهز هذه المناسبة لاكرر مطالبا برفع الغطاء الثقيل الذي تفرضه الوزارة على الجامعات ، وان تعطى للجامعات استقلالية وحرية واسعة في التعين ، والقبول ، وارسال البعثات ، وغيرها ، وان يحصر دور الوزارة في الاشراف والمراقبة والتقويم العلمي . والله والوطن من وراء القصد .

الدراسات العليا بين الكم والنوع ، حزيران 2016

الدراسات العليا بين الكم والنوع

طاهر البكاء

حزيران 2016

تعد الدراسات العليا المحطة الأكاديمية الأخيرة في سلم التحصيل العلمي الجامعي ، لكنها ليست آخر المحطات في البحث العلمي ، إذ تعقبها مراحل التطبيق و تطوير الخبرات ميدانيا أو عن طريق البحث ، لذا فإن الدول المتقدمة  والجامعات الرصينة ترصد مبالغ طائلة لحقلي الدراسات النظرية والتطبيقة ، ونراها تستقطب الطلبة والباحثين المتميزين من مختلف أنحاء العالم ، وتوفر لهم سبل البحث العلمي ، لترتقي بهم وببحوثهم ، ويرتقوا من خلالها والفرص الثمينة التي توفرت لهم .

أقول هذا وقد هالني ماقرأت في التقرير السنوي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي لسنة 2014 ، عن التوسع المهول في الدراسات العليا ، وفي كل المستويات والحقول العلمية ، وقد ذكرها معدو التقرير مفاخرين ومتباهيين . في حين أن الأرقام تدعو الى عكس ذلك ، بل تبعث على الحزن والقلق .

ومن أجل إعطاء صورة واضحة عن الدراسات العليا داخل الوطن لابد من لمحة تاريخية عن نشأتها والمراحل التي مرت بها.

استعنت بالاخ الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف الذي أوضح أن الدراسات العليا ابتدأت عندما وافق مجلس جامعة بغداد في  18 تشرين الثاني سنة 1959 على الصيغة النهائية للائحة نظام منح درجة ماجستير، علوم ، وأقربتاريخ 13 نيسان 1960 لائحة نظام منح درجة ماجستير في الآداب وبدأ القبول والتسجيل لمرحلة الدراسات العليا في العام الدراسي 1960-1961 في أقسام التاريخ ، الزراعة، الطب ، الكيمياء ، الهندسة المدنية ، وتم في العام الدراسي 1961-1962 قبول طلبة دراسات عليا في أقسام أخرى هي ، الآثار ، الجغرافية ، طب الأسنان ، اللغة العربية ، البايولوجي  وعلوم الحياة . و أسست في ايار 1962 (عمادة الدراسات العليا ).

وبعد أن استقرت دراسات الماجستير فُتَحَ المجال لدراسات الدكتوراه سبعينات القرن الماضي وكان  قسما التاريخ  والجغرافية في كلية الآداب في مقدمة الآقسام التي اتجهت لمنح شهادة الدكتوراه لكن قسم الجغرافية كان السباق في إنجاز أول أطروحة دكتوراه سنة 1976 في حين كانت أول رسالة ماجستير في الجغرافية قد أنجزت سنة 1967 ، أي بفارق قدره 9 سنوات.

وقبل استحداث الدراسات العليا في جامعة بغداد كان العراق يعتمد في إعداد الكوادر العليا من حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه على المبتعثين.

شهدت سبعينات القرن الماضي ، وبشكل خاص النصف الثاني منها ، توسعاً مدروساً في برامج الدراسات العليا ، إذ سُمِحَ للكليات والأقسام العلمية استحداث دراسات عليا ، وفق شروط صارمة من حيث توفر الكادر التدريسي المؤهل ، من ذوي الألقاب العلمية المتقدمة ، وتوافر المستلزمات العلمية مثل المصادر والأجهزة المختبرية ، ترافق ذلك مع ابتعاث آلاف الطلبة للحصول على الشهادات العليا من مختلف جامعات العالم ، وشكل هؤلاء بعد تخرجهم وعودتهم إلى الوطن مع زملائهم الذين تخرجوا من جامعة بغداد ذخيرة وطنية حافظت على ديمومة وتوسع الجامعات العراقية وتزويد أجهزة الدولة بالكفاءات العليا في زمني الحرب والحصار.

أثرت الحرب العراقية – الإيرانية 1980 – 1988 على برنامج البعثات ، فاضطرت الدولة  في البداية إلى تقليص إرسال المبتعثين في بعض الاختصاصات ، وإيقافها لاحقا ، وذلك لتوجيه موارد البلد لتلبية متطلبات الحرب. وإستعاضت عنها بالتوسع في برامج الدراسات العليا في الجامعات العراقية ، الأمر الذي استوجب إجراء تخفيفٍ بسيطا في الشروط الواجب توفرها في الكليات والأقسام العلمية لاستحداث تلك البرامج.

جاء الحصار الاقتصادي الظالم 1990 – 2003 ليقضي تماماً على برنامج البعثات ، وكانت الزمالات الممنوحة من بعض الدول ، على محدوديتها جدا ، القناة الوحيدة المتوفرة للدراسة في الخارج . ومن أجل توفير كوادر متخصصة من حملة الشهادات العليا ، اضطر العراق ، مرة آخرى ، في تلك المدة إلى توسيع القبول في برامج الدراسات العليا القائمة ، واستحداث اخرى جديدة ، وقد شمل ذلك التوسع أغلب الجامعات العراقية ، مما أنشء جيلاً من حملة الشهادات العليا لم تتح لهم الفرصة لتعلم لغة أجنبية والإطلاع على برامج الجامعات العالمية ، تزامن ذلك مع حرمان الجامعات العراقية من استيراد الأجهزة المخبرية والمصادر العلمية ، بحجة الاستخدام المزدوج لها. وللتاريخ فقد اعترض وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، حينئذ ، الدكتور عبد الرزاق الهاشمي على ذلك التوسع وقال مامعناه ” إن الجامعات العراقية ستخرج لنا أنصاف دكاتره ، وهؤلاء سيخرجون لنا أرباع دكاترة” لكن رأيه لم يحظ بالقبول “[1]“.

اختلف الأمر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق نيسان 2003 اختلافا كبيراً ، إذ عمت الفوضى ، واضطربت الأمور ، وخسرت الجامعات عدداً هائلاً من حملة الشهادات العليا والألقاب العلمية المتقدمة ، وذلك إثر قرار الاجتثاث سيئ الصيت ، لكن في الوقت ذاته فتحت الأبواب مشرعة أمام العراقيين للسفر ، وتمتعت الجامعات باستقلالية لم تألفها من قبل ، وعاد عدد كبير من الأساتذة الذين اضطرتهم ظروف الحصار القاسية إلى (الهروب)”[2]” للعمل في جامعات عدد الدول العربية .

ومن أجل النهوض بمستوى الأستاذ الجامعي العراقي ، أعادت وزراة التعليم العالي والبحث العلمي 2004 – 2005 فتح برنامج البعثات ، وفي الوقت ذاته وبهدف تقوية وترصين ورفع مستوى مخرجات الجامعات العراقية تم إيقاف برامج الدرسات العليا في 153 قسماً وحقلاً علمياً لعدم توفر الشروط العلمية “[3]” ، من حيث الأجهزة المختبرية والمستلزمات العلمية الأخرى ، خاصة بعد شمول عدد كبير من الأساتذة من حملة الألقاب العلمية بالاجتثاث “[4]” ، وللدمار الذي أصاب الجامعات نتيجة للعمليات العسكرية ، والفرهود الذي رافق سقوط النظام “[5]“.

لم تستمر السياسة التي رسمتها الوزارة في 2004 – 2005 طويلا ، إذ تولى وزراء متحزبون مقاليدها بعد 2006 ، وفتحوا باب القبول في الدراسات العليا بشكل واسع ، وخاصة في مدة استيزار السيد علي الأديب 2010 – 2014 ” ، من غير أن يأخذوا بنظر الاعتبار حاجة البلد والجامعات للأختصاصات العليا ، وتوفر الشروط اللازمة لفتح دراسات عليا في عدد كبير من الأقسام العلمية ، واستحدثوا عدة قنوات للقبول ، لم تكن مألوفة من قبل ، مثل ، قناة السجناء السياسيين ، وقناة ذوي الشهداء ، وقناة النفقة الخاصة “[6]“، وبموجب هذه القنوات جرى قبول أعدادٍ كبيرة ، قسم غير قليل منهم غير مؤهلين أكاديميا للدراسات العليا ، كل ذلك جرى لأسباب سياسية  ضيقة ، أو لمجاملات شخصية ، والجدول التالي يبين أعداد طلاب الدراسات العاليا في سنتين فقط ، بمن فيهم المقبولون وفق القنوات أعلاه  “[7]“.

السنة الدراسية طلبة الدكتوراه طلبة الماجستير طلبة الدبلوم
2009 – 2010 6,303 10,051 898
2012 – 2013 9’438 18,102 1,815

من المفيد أن نشير هنا إلى أن الوزراة في الوقت الذي توسعت ببرامج الدراسات العليا ، توسعت أيضا ببرنامج البعثات ، والأخير يبعث على التفاؤل ، وفتحت الباب على مصراعيه للدراسة على النفقة الخاصة في الخارج ، مما أدى إلى التحاق أعداد كبيرة في ذلك البرنامج ، لكن مما يؤسف له أن أغلبهم فضل الدراسة في بلدان وجامعات لايمكن اعتبارها متطورة ، وبعضها يفتقد إلى الرصانة العلمية.

تفاجأ عدد كبير من المتخرجين ، حملة  الشهادات العليا أن سوق العمل لا يحتاج الى تخصصاتهم ، مما حدا بهم إلى تنظيم تظاهرة احتجاج أمام مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في 12 نيسان 2015 ، أحرق خلالها بعضهم شهاداتهم الجامعية “[8]“، وكأنهم يحملون الوزارة والجامعات مسؤولية عدم توفير درجات وظيفية لهم ، مع أن ذلك ألأمر لم يكن كذلك. وفي تقديري أن مرد ذلك إلى الأثر الاجتماعي ، إذ أن الشخص الحاصل على شهادة عليا غالبا مايمتنع عن القيام بأي عمل حر ويظل ينظر إلى العمل في الجامعات والوزارت ومراكز البحوث.

قد يقول قائل ، إن التوسع في برامج الدراسات العليا ليس الهدف منه تلبية حاجة مؤسسات الدولة بالكفاءات وإنما الهدف منه إشباع حاجات الأفراد الراغبين بالحصول على ألقاب علمية متقدمة . هذا الكلام فيه من وجاهة مقبولة. لكن هذا يتطلب الأخذ بنظر الاعتبار حسابات الكلفة ، كما أننا لم نصل بنظامنا التربوي إلى مستوى إشباع حاجات الأفراد وتلبية رغباتهم “[9]” ، إذ أن مسؤولية الدولة ، حسب الدستور، تنحصر في إلزامية ومجانية التعليم الابتدائي “[10]” ، أما التعليم الثانوي فإنه غير إلزامي لكنه مجاني. أما الدراسة الجامعية فهي اختيارية ، والدرسات العليا  للمؤهلين والمتميزين ، ووفق الحاجة في كل اختصاص علمي.

مما تقدم يستوجب على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العمل بشكل جاد وسريع إلى إيقاف القبول فوراً ببرامج الدراسات العليا في كل الأقسام العلمية التي لا تتوافر فيها المتطلبات الأكاديمة ، من ألقاب علمية متقدمة ، أجهزة مختبرية ، مصادر علمية كافية ، إلخ. ودراسة حاجة الجامعات ومؤسسات الدولة الأخرى والقطاع الخاص من حملة الشهادات العليا وبمختلف االختصاصات وفتح القبول وفق الحاجة العامة.

وإذا ما ارتأت الوزارة أن الوقتَ مناسبُ للتوسع بالدراسات العليا بما يلبي ويشبع طموحات الأفراد فيجب عليها أن تأخذ بنظر الاعتبار حسابات الكلفة أولاً بحيث لاتتحمل الجامعات نفقات هذا النوع من الدراسات ، بل يجب أن يكون أحد مصادر التمويل الذاتي للجامعات.

وأود أن أختم هنا مذكراً بمقالين نشرا لي في جريدة الصباح قبل ثمان سنوات تحت عنوان “سياسة وزير لافلسفة وزارة” الذي حذرت فيه من تسلط سياسة وزير على مقاليد الوزارة والجامعات ، وفي المقال الآخر الذي كان بعنوان “استقلال الجامعات ضرورة وطنية ملحة” ، طالبت فيه بإلغاء الوزارة ، لكن المقالين لم يحدثا أي صدى لدى المسؤولين. فشهدت السنوات العشر الماضية غياباً كاملاً لفسلفة تعليمية ، وطغيان أمراض المحاصصة اللعينة ، واجتهادات وزراء وميولهم السياسية والطائفية مما أثر سلباً على العملية التعليمية ، التي بدأنا نتلمس آثارها بشكل واضح على كل المستويات ، ولا نستثني منها بعض مخرجات الدراسات العليا.

[1] – ينظر ، طاهر البكاء ، العقل العراقي في محيط مضطرب ، بغداد  ، ص 23 .

[2] –  أقول الهروب لأن النظام في تلك المدة منع سفر الأساتذة خوفاً من إفراغ الجامعات من الكفاءات.

[3] – طاهر البكاء ، مصدر سابق ، ص 48.

[4] -المصدر نفسه ، ص 41.

[5] – المصدر نفسه ، ص 39.

[6]  – المصدر نفسه ، ص 61.

[7]  – وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، التعليم العالي والبحث العلمي ، أرقام وحقائق … ، ص 22.  ص 36.

[8]  – نقلت كثير من وكالات الأنباء صور ومقاطع فديو للتظاهرة ، ينظر : http://awaniq.com/ar/news/18217/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D9%8A%D8%AD%D8%B1

[9] – من المؤسف ان يتحول الحصول على “لقب دكتور” باي طريقة كانت ، ودون محتوى علمي حقيقي الى هدف لكثير من السياسيين ، ومارسوا ضغوطاً كبيرة للحصول على إستثناءات من شروط القبول ،

[10] – يتظر دستور العراق الدائم 2008 ، الفقرة أولاً ، المادة 34 ، ص 18.