نشر الدكتور قاسم الجميلي على صفحته في الفيسبك بتاريخ 16 آذار 2017 مايلي عن طاهر البكاء

اخي الغالي دكتور طاهر البكاء المحترم ….. كلماتك وسام فخر اعتز بها وهي تاتي من اخ وصديق ورفيق درب في الحياة لنحو ثلاثين عاما. لقد تشاركنا فيها الكفاح من اجل بناء انفسنا اكاديميا، كما تقاسمنا الهموم والمصاعب التي واجهتنا في اوقات الشدة التي عصفت بالعراق منذ تسعينيات القرن المنصرم. في خضم تلك الظروف وجدت فيك صديقا صدوقا واخا كبيرا الجأ اليه بعد الله عندما تدلهم الخطوب وتحل النوائب. ومع ان تصاريف الحياة وازدحام امورها قد تأخذني بعيدا عنك هنا او هناك، لكن الرجال عندي مبادي ومواقف قبل وفوق كل اعتبار، واني لا اجدك قد اوفيت حقهما، وانت اهل لهما بجدارة وبلا منازع. اخي الكبير ابا عمار، وانا اعرف انك تشرف اي منصب تتسلمه، لكن اجمل ما فيك انك كلما كنت تتولى منصبا عاليا ترتقي في تواضعك وتعاملك ولا تغادر قيمك الانسانية. انا هنا لا امدحك، لانك تعرفني جيدا اكثر من غيرك لا احب المدح ولا اطيق صاحبه، لكني افيك حقك بانصاف. محبتي ووفائي لك ولايامنا التي تشاركنا فيها رغيف الخبز وبعض ما تيسر من رزق الله ايام الضيق. دمت والاهل بكل خير

الانتخابات الايرانية والرمز الديني آيار 2017

لانتخابات الايرانية والرمز الديني:
ان للرمز الديني ، اي رمز وباي دين او مذهب كان ، مكانة خاصة في نفوس اتباعه ، لذا وجب احترامه وعدم الزج به او باسمه في متاهات السياسة ومنزلقاتها.
ما دفعني لكتابة هذه الملاحظة ما جاء في صحيفة كيهان الإيرانية ، في حملتها المعادية للرئيس الاصلاحي حسن روحاني والداعمة لرجل الدين المتشدد ابراهيم رئيسي ،اذ حذرت من انتخاب رئيس مدعوم من الغرب، وبغية تسقيظ روحاني قالت ان انتخاب الاصلح خطوة في طريق ظهر الامام المهدي .
انني ارى ان الصحيفة تمارس تضليل وخداع البسطاء من الإيرانيين ، وكان عليها ان تحفظ للرمز الديني هيبته ، وان لا تنزل به الى هذا المستوى.
ان قولي هذا ليس دفاعاً عن الرمز الديني ، لانه الاولى بالدفاع عن نفسه ، وهو لا يحتاجني بهذا الامر ، لكنني أدافع عن قواعد اللعبة السياسية التي يجب ان يكون الناس احراراً في اختياراتهم ، وحسب قناعاتهم. لا ان يتم التلاعب بعواطفهم ، ومصادرة اراداتهم ، كما حصلنا لدينا في التصويت على الدستور ٢٠٠٥ وفِي كل الانتخابات التي جرت بعد ٢٠٠٣. مع أمل ان لا تتكرر هذه الألاعيب في الانتخابات العراقية القادمة .

الدكتور خالد الهيتي رداً على مؤيد عبد القادر في 24 حزيران 2017 على صفحة الدكتور جعفر المظفر

الدكتور خالد الهيتي رداً على مؤيد عبد القادر في 24 حزيران 2017 على صفحة الدكتور جعفر المظفر

___________________________________
انه لأمر مؤسف حقا ان نقحم السياسة في كل شىء ، خاصة اذا كان هذا الاقحام خارج السياق المقبول! والسياق هنا هو تبادل للاحترام والذكريات الانسانية الراقية بين صديقين مر على صداقتهما اكثر من اربعين سنة. انا اتشرف شخصيا بمعرفة الاستاذ الدكتور طاهر البكاء لمدة تزيد على ثلاثة عقود ، ولم ار فيه الا الانسان الخلوق والقائد الشجاع وابن العشائر الكريمة الذي يحفظ الصداقة والعهد ويحب العراق بلا حدود، واذا اختلف يختلف بفروسية ولا يخلط ابدا بين حق الاختلاف والاحترام المطلوب. هذا على الصعيد الشخصي ، اما على الصعيد الوطني فان الدكتور طاهر قامة وطنية عراقية اصيلة قبل 2003 وبعدها. يكفي انه سقى ارض بغداد والعراق بدمه وكاد ان يقتل لولا لطف الله عندما كان احد ضحايا التفجير الارهابي الذي طال الجامعة المستنصرية قبل الحرب العراقية-الايرانية. اما عن مشاركته بحكومة اياد علاوي فهو بذلك افضل مني ومن غيري لانه حقق حسنتين: اولا لانه اجتهد وحاول ان يغير ولم يهرب ويترك العراق كما فعلت معظم القيادات البعثية وثانيا لانه فعلا ساعد في تقليل الضرر الذي كان سيلحق بالعراق اثناء عملية اعداد الدستور ووقف صدا منيعا ضد عملية الاجثاث البغيضة وهدم اركان الدولة العراقية. والدليل هو انه متهم الى الان من قبل ارباب الفساد والطائفية على انه بعثي! ولان الدكتور طاهر البكاء وطني ومحب للعراق فانه رفض اي منصب سيادي اخر في الحكومة بعد ان ايقن ان فرصته في الاصلاح واحداث التغيير المطلوب باتت محدودة. وهكذا كان! ليتنا جميعا عملنا مع الامريكان كما عملت اليابان والمانيا وكوريا الجنوبية ، بل وكما عملت امريكا نفسها مع المحتل الانكليزي للنهوض من كبوة الاحتلال واعادة الاعمار بدلا من تسليم البلاد الى داعش واخواتها ، وواقع الحال يدمغ كل المتنطعين والانتهازيين والمنافقين الطوباويين الذين لا يعروفون اي معنى للعمل السياسي البرغماتي خارج اسوار الشتيمة والعنجهية والمزايدة الفارغة التي كانت هي البلاء الاول في المجىء بالمافيات التي تحكم العراق الان والحقت به وبشعبه الابي افدح الاضرار! والله والاخلاق والانصاف والموضوعية فقط من وراء

قراءة سريعة في موضوع جزيرتي تيران وصنافير

قراءة سريعة في موضوع جزيرتي تيران وصنافير

طاهر البكاء

آيار 2017

بغض النظرعن موضوع العائدية التاريخية للجزيرتين ، يبقى السؤال الجوهري: لماذا أثير موضوعهما في هذا الوقت بالذات؟ ومن هو المستفيد ؟ وما هي النتائج المترتية على نقل عائديتهما للسعودية؟

تقع الجزيرتان غير المأهولتين في مدخل خليج العقبة ، والممر بينهما وشبه جزيرة سيناء يدعى مضيق تيران ، الذي تمر عبره السفن من البحر الاحمر الى ميناء العقبة الاردني أو إيلات الإسرائيلي.

كون الجزيرتين تابعتان الى مصر فهذا يعني أن مدخل خليج العقبة أرضاً ومياهً مصري 100% ، وبهذا تتحكم وتسيطرمصر بهذا المدخل المهم.

أما وإذا آلت الجزيرتان الى السعودية فهذا يعني أن مياه مدخل خليج العقبة ستصبح دولية ، خارج سيطرة مصر والسعودية.

أن تصبح مياه خليج العقبة دولية فهذا يحقق لإسرائيل أهدافاً غاية في الأهمية ، إذ أنها وبموجب القانون الدولي ستكون لها حرية مطلقة للملاحة في هذا الخليج الحيوي.

ربما تقوم إسرائيل في المستقبل بفتح قناة بين إيلات والبحر الأبيض المتوسط ، وهذا سيؤدي الى أن تفقد قناة السويس جزء من أهميتها ، وما تدره لمصر من موارد مالية.

يبقى السؤال الذي لم أجد إجابة له : ماهي مصلحة السعودية في ضم الجزيرتين إليها ، وهي التي تمتلك مئات الجزر، في البحر الاحمر والخليج العربي؟

ربما أرادت السعودية بذلك أن تتقرب الى إسرائيل لحاجتها إليها في مواجهة “البعبع” الإيراني. مع أني لا أعتقد أنها بحاجة لذلك ، إذ أن التقارب متحقق في ظل التعبئة الطائفية ، والعداء المشترك لإيران.

وأخيراً لابد من القول ان مصر خسرت الجزيرتين ، والسعودية لا تستفيد منهما ، وتبقى إسرائيل المستفيد الوحيد في كل هذه العملية.

 

الصدريون ، نشأتهم ومواقفهم بين العقيدة والسياسة ، طاهر البكاء 2006

الصدريون

نشأتهم ومواقفهم  بين العقيدة والسياسة 

                                                         د . طاهر البكاء                                                     

                               2006                          

       ظهرالتيار الصدري بقوة وبشكل علني في اللحظات الاولى لإحتلال بغداد في 9 نيسان 2003 ، وفي اليوم نفسه فرض أتباعه سيطرتهم على مدينة النجف بقوة السلاح  ، وإلتحق به جمهور غفير من الإنتهازيين ، والبسطاء ، والقتلة ، والسراق وأصحاب المآرب ونفذت جرائم كبيرة باسم هذا التيار. فهل كان هذا بتخطيط أم بشكل عفوي ؟  وهل كان تعبيراً عن فكر عقائدي مجددة ، أم مجاميع غوغائية حركتها غرائزها إثر إختفاء السلطة؟

      لم يكن الصدريون حركة فكرية مجددة في عقيدة الشيعة الإمامية الإثنى عشرية ، أو حركة سياسية دينية ذات أفكار ومنطلقات أيدلوجية واضحة ، بقدر ما هم نتاج مرحلة من الكبت والحرمان والاضطهاد والشعور بمظلومية تاريخية فجرتها حركة رجل واحد ، لم يأبه بنتائج حركته ، أو حسابات الربح والخسارة ، وكانت أقرب للمغامرة منها إلى التخطيط السياسي .

      وإذا عدنا إلى الوراء قليلا ، فإننا نجد أن أية الله السيد محمد باقر الصدر هو الذي أكسب آل الصدر في العراق شأناً وعلواً إضافياً “[1]“، فهو مفكرٌ إسلامي من الطراز الأول ،  لديه طروحات فلسفية واقتصادية إسلامية ، وضعها بكتابين ، في سبعينات القرن الماضي ، الأول ” اقتصادنا ” والثاني ” فلسفتنا “، وكلاهما  يضعان تصورات فلسفية واقتصادية إسلامية ، في محاولة لشق طريق ثالث مابين الفلسفة الماركسية اللينينية ، والفلسفة الغربية واقتصادها الحر، وقد تبنى نظام البعث في العراق هذين الكتابين وسمح وساهم بنشرهما في حينها ، ليس إيمانا بما احتوياه بقدر ما هي محاولة منه لمواجهة تحديات الفكر الشيوعي ،لافتقارفكرالبعث إلى رؤى فلسفية واقتصادية واضحة المعالم في حينها.

   اتخذ حزب الدعوة الإسلامي طروحات السيد محمد باقر الصدر منهاجا له ، باعتباره مرجعهم ، وكان الحزب في حالة خصام مع سلطة البعث “[2]“، وبقيام الثورة الإيرانية 1978-1979 وانتصارها وسيطرة الخميني على مقاليد السلطة في إيران .تبنى حزب الدعوة فكرة إسقاط نظام البعث في العراق ، مستغلا الحراك الجماهيري الذي ولدته الثورة الإيرانية في الشارع الإسلامي عامة والشارع العراقي بشكل خاص ، فاعتمدأسلوب “حرق المراحل” لتحقيق هدفه هذا ، الذي التقى مع طروحات الخميني “بتصدير الثورة الإسلامية

     قام حزب الدعوة وغيره من التنظيمات الإسلامية الشيعية المعادية لنظام البعث بأعمال إستهدفت المسؤولين العراقيين الحزبيين والرسميين ، فكانت حادثة الجامعة المستنصرية في الأول من نيسان 1980″[3]” بمثابة الشرارة التي مهدت لاشتعال الحرب بين البلدين ، وذلك عندما قام “أحد عناصر حزب الدعوة الإسلامية””[4]“. بإلقاء قنبلة على طارق عزيز ممثل الرئيس العراقي صدام حسين في الندوة الاقتصادية الطلابية ، فقتل فيها طالبان وجرح عدد آخر”[5]“، وفي يوم 3 نيسان تمت مهاجمة تشييع شهداء المستنصرية، مما أدى إلى جرح عدد من المشيعين “[6]” ، الأمر الذي دفع السلطة في العراق إلى شن حملة اعتقالات بين صفوف كوادرحزب الدعوة ، وقامت أيضاً بحملة تسفيرات للعراقيين من أصول إيرانية “[7]” ، شملت عشرات الآلاف ، وبعد الحادث بأيام أي في التاسع من نيسان ارتكب النظام جريمة كبرى بإعدام أية الله محمد باقر الصدر “[8]“، وشقيقته بنت الهدى ،فتحول إلى رمز إسلامي سياسي كبير ، بفضل تميز طروحاته وفلسفته ،ومن ثم  نهايته المأساوية فأصبح أسم “الصدر” له دلالات عند العراقيين بشكل عام ، ولدى الشيعة بشكل خاص .

بنشوب الحرب العراقية الإيرانية أيلول 1980 واستمرارها ثمان سنوات عجاف ، وفي ظلها ،قضى النظام العراقي على كل شخص يشتبه  بأنه منتظمٍ أو موالٍ أو متعاطف مع حزب الدعوة الإسلامية ،وأصبحت مثل هكذا تهمة تؤدي بصاحبها إلى الإعدام أو غياهب السجون ، لدرجة لا يمكن لأي من ذويه حتى السؤال عنه . وأصدر نظام صدام قانوناً رسمياً بذلك ، له أثر رجعي ، يقضي بانزال عقوبة الاعدام بكل من انتمى أو ينتمي لحزب الدعوة . حتى باتت تهمة الانتماء لذلك الحزب “جريمة مخلة بالشرف” في عرف ذلك القانون .

     لم يكتف نظام صدام بمحاسبة المنتمين إلى حزب الدعوة ، بل شملت العقوبات وبدرجات متفاوتة أقاربهم حتى الدرجة الرابعة ،الأمر الذي أوجد قاعدة عريضة من المتضررين ، وبالضرورة تحول هؤلاء الى ناقمين على نظام صدام وحزبه .

    كان من الطبيعي والحالة هذه أن يصبح أل الصدر في العراق هدفا لأجهزة الأمن العراقية ،التي زجت بالكثير منهم في غياهب السجون وقتلت من قتلت منهم ،لا لشيئ إلا لأنهم من آل الصدر .

  اعتقل محمد محمد صادق الصدر”[9]” أكثر من مرة في الأعوام 1972 ،1974 ، بعد الانتفاضة في عام 1991، ، وقد أشيع في حينها أنه أفتى  بالجهاد ضد حكومة صدام . ولما إطلق سراحه لاحقاً فرضت عليه ألإقامة الجبرية في بيته .

   نشأ محمد محمد صادق الصدر في محيط وبيئة وعائلة فقهية وتتلمذ على يد مراجع النجف الكبار من أمثال الخوئي “[10]“، والخميني ، والمظفر ومحمد باقر الصدر ، والدكتور حسين علي محفوظ وغيرهم ، إلا أنه تأثر بشكل كبير في تكوينه الفكري باثنين منهم هما الخميني ، وابن عمه محمد باقر الصدر ،ويقول أتباعه إنه  استلهم “المشروع التغييري في العراق” من تجربة ودروس ونظريات آية الله محمد باقر الصدر. ومن أستاذه الخميني  “استلهم الفكر الثوري” ومن هذين الاستلهامين صاغ ملامح تجربته الخاصة .

 

حركة محمد محمد صادق الصدر :- 

 كان النظام العراقي يعمل جاهداً من أجل “تعريق” الحوزة العلمية في النجف لأن أغلب مراجع الشيعة من اصول إيرانية ، إلا ما ندر.

 إلتقط السيد محمد محمد صادق الصدر هذه الرغبة الرسمية ،وفاجأ  الجميع بحركتة الغريبة في بابها ، وتعد من العيار الثقيل في حينها ، إذ اتصل بالمراجع السياسية والدينية الرسمية في وزارة الأوقاف العراقية ، طلب منها الموافقة على إقامة صلاة الجمعة في جامع الكوفة الكبير وجوامع أخرى في المحافظات والأقضية . فما هو وجه الغرابة في هذه الحركة وصلاة الجمعة تقام في جميع العالم الإسلامي ؟ ، وللجواب على هذا السؤال لابد من التنويه إلى أن الشيعة الأمامية الاثنى عشرية أجازوا تعطيل صلاة الجمعة والاستعاضة عنها بصلاة الظهر ، مع وجود الحاكم الظالم ، أو مع عدم وجود الحاكم الشرعي “[11]“، لذا كانت صلاة الجمعة معطلة في العراق منذ عقود .

   رحب المسؤولون في العراق بهذه المبادرة على اعتبار أن إقامة صلاة الجمعة من قبل شيعة العراق يُعدَّ اعترافا ضمنيا بأن الحاكم في العراق عادلاً ، ولهذا أعطيت  الموافقات للمسؤولين في وزارة الأوقاف لتسهيل ودعم هذه “المبادرة” وبهذا ابتلعوا “الطعم” الذي قدمه السيد محمد الصدر ، غير مدركين أو متحسبين لمخاطرها المستقبلية الأمر الذي أكده قيام عدد من المسؤولين الرسميين بدعوة وحث بعض علماء الدين في النجف للصلاة خَلف  السيد الصدر.

    نظر عدد من علماء الدين في النجف وغيرها بعين الريبة والشك لمبادرة السيد الصدر ، واتهمه البعض منهم بمولاة نظام صدام أو أنه صنيعته ، خاصة وأن النظام قدم له دعماً معنوياً كبيراً عندما وضع بين بيده ، منح الإقامة للعلماء وطلبة الحوزة من غير العراقيين أيضاً ، وهذا ألامر وإن كان دعماً رسمياً ، إلا أنه أتى بنتائج سلبية ، إذ رسخ الشكوك حول ارتباط السيد محمد صادق بالدولة وأجهزتها الأمنية ، لذا فقد جاءته التهم من الأحزاب والتنظيمات الدينية الشيعية ، ومن بين  أبرز من وجهوا له الاتهامات السيد محمد باقر الحكيم “[12]“، رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ، المقيم في إيران حينذاك ، وهي وإن كانت سياسة لكنها لا تخرج عن الصراع  على الزعامة الدينية  بين العوائل النجفية فضلاً عن  تقديرات سياسية متقاطعة.

     استجابت أعداد غفيرة من رجال الشيعة والنساء و البسطاء لحركة  السيد الصدر، والتفوا حوله ، وحرصوا على حضور صلاة الجمعة ، التي كانت تقام في مناطقهم ، من قبل وكلاء السيد الصدر، وإستمروا على هذه الحال لمدة ستة أشهر تقريباً ، قبل أن يؤم  السيد الصدر بنفسة صلاة الجمعة في مسجد الكوفة ، عندها حرص المتحمسون منهم على الذهاب ، بمجاميع كبيرة ، كل جمعة من مختلف مدن العراق إلى الكوفة لحضور الصلاة في مسجدها الكبير.

     تضاعف عدد المشاركين بمتوالية هندسية بعد أن بدأ السيد الصدر يلقي خطبه ويؤم المصلين بنفسه ، وأصبح مألوفا توجه مئات السيارات إلى الكوفة كل جمعة من بغداد والناصرية والعمارة وغيرها ، رغم صعوبة الظروف الاقتصادية  والمعيشية للمشاركين فيها ، فضلا عن صعوبات النقل في حينها .

    أسهم  الأعلام العراقي الرسمي بنقل أخبار صلاة الجمعة تلك ومقتطفات من خطبها التي تصب في مصلحة النظام ، مما أوحى أن الدولة مع السيد الصدر وأنه حليفها .

    كان السيد يفتتح خطبته كل جمعة بالاستعاذة من الشيطان ويلعن أمريكا و إسرائيل ومن حالفهما ، والسائرين بركابهما ، ويهاجم الحصار المفروض على العراق ، الأمر الذي نظر إليه المسؤولين العراقيون بعين الارتياح ، ربما على قاعدة “عدو عدوي صديقي“.

    هاجم السيد الصدر الحوزات العلمية في النجف وأطلق عليها ” الحوزة الصامتة” وطرح نفسه على أنه  “الحوزة الناطقة” الأمر الذي ولد شرخاً وجدلاً في الوسط الشيعي العراقي ، قال لي أحد المقربين منه ، ممن كان قريباٌ من تلك الاحداث ، ما معناه ، أن هدف السيد الصدر من مهاجمة الحوزة العلمية هو تحرير الشيعة من التبعية العمياء للمرجعية ، وتقديسهم المطلق لها، الذي يصل الى حدود غير مقبولة “[13]“. بعبارة اخرى أقول أنه أراد تحطيم النظرة الصنمية لدى عامة الشيعة تجاه مراجع الدين. كما أن السيد الصدر، ورداً على سؤال ، حول مَنَ هو الأعلم ؟ قال”إنه هو أعلم الموجودين ، وأعلم من الخوئي والسبزواري [14]“” .

     وكان بلغته البسيطة قد حاكى واقترب وعزف على الأوتار الحساسة في نفوس الشيعة ، كما أنه خاطب مختلف طبقات المجتمع العراقي ، حتى أنه لم يستثن “الكاولية” أي الغجر “[15]“. وزاده قبولاً لديهم ارتداؤه الكفن فوق ملابسه وحمله السيف أثناء الصلاة ، وهما من مستحبات صلاة الجمعة ، لكنهما إشارتان رمزيتان مهمتان جداً ، تعبران عن استعداد للقتال والشهادة ، ولكن ضد من ؟! ربما فسرها النظام أنها ضد أمريكا وإسرائيل ومن تحالف معهما . وقد استهان النظام بالتفسيرات الأخرى المختلفة التي تسربت إلى نفوس الناس ، فكل فسرها بطريقته ،وكان الأعم الأغلب من الناس قد فسروها بأنها تحدٍ للنظام نفسه ، وإن لم يصرح أحد بذلك ولا حتى السيد نفسه .

    من المتعارف أن صلاة الجمعة التي تقام في جوامع أهل السنة في العراق، كانت  ذات طبيعة سياسية ، تخضع إلى توجيهات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العراقية ، وهي تحاكي وتمتدح مواقف الحكومة العراقية ، وعادة ما تختم  بالدعاء للرئيس صدام حسين ، بعد أن يكال له المديح و الإطراء.

   شذ السيد محمد صادق الصدر عن تلك القاعدة ، فلم يدعُ في خطبه التي تجاوزت الأربعين لصدام حسين ، وكان دعاؤه منصباً على الظالمين المتجبرين وعلى الأمريكان و الصهاينة ، الأمر الذي ولد ارتياحاً لدى أتباعه وغيرهم ، في الوقت ذاته أثار شكوكاً عن مغزى سكوت  السلطات عنه ، وهي التي لا تتساهل أبدا مع أي بادرة يشم منها معاداتها ؟.

    تعاظم حجم المشاركين في صلاة الجمعة في المدن العراقية بشكل ملفت للنظر ، حتى ضاقت بهم الجوامع ، وزحف المصلون إلى خارج الجوامع ليملؤوا الشوارع المحاذية للجوامع.

   وفي الكوفة ، وفي الجمعة الثانية التي أم فيها السيد الصدر الصلاة ، كانت أعداد المصليين مهولة ، بلغت عشرات الآلاف ، لم يستوعبهم جامعها الكبير على سعته ،وكانوا يتجاوبون مع بعض الجمل والأدعية التي ترد في خطبة الجمعة “بالصلاة على محمد وآل محمد” ثلاث مرات بطريقة إيقاعية جماعية ، وتتكرر هذه الظاهرة عدة مرات في كل خطبة ، وكانت تثير حماس المصلين بأسلوبها التحريضي الحماسي ، وقام بعض أتباع السيد الصدر بتسجيل الخطب على أشرطة صوتية ومرئية يتداولها الناس بشكل علني ، الأمر الذي أثار مخاوف النظام وشكوكه وتوجسه

     كان النظام العراقي حينئذ ، قد رفع شعار “نعم نعم للقائد صدام حسين” يردده طلبة المدارس والمتظاهرون في المناسبات وغيرها ، وأصبح جزءً من مادة ثقافية يومية في وسائل الإعلام وغيرها ، غير أن السيد الصدر قد إعتاد في خطبة كلها رفع شعار “نعم نعم للإسلام” ، “كلا كلا للشيطان” ، “كلا كلا للاستعمار” وطلب من المصلين الترديد معه بهذا الشعار.

    طلبت السلطات العراقية من السيد الصدر الدعاء للرئيس صدام حسين أثناء الصلاة ، كما يحدث في كل الجوامع التي تديرها وزارة الأوقاف ، إلا أنه رفض ذلك بقوة ، وهنا على ما أظن حصلت القطيعة التي أودت بحياته. 

       اغتيال السيد محمد محمد صادق الصدر : 

          عرف عن نظام صدام أنه لا يتساهل مع أي خطر محتمل ، وهو الذي يحاسب على النوايا و الأحلام ،ويأخذ أقارب أعدائه ويعاقبهم ، فكيف بظاهرة خطيرة مثل ظاهرة السيد محمد صادق الصدر .

      روي أن صدام حسين جمع قيادة قطر العراق لحزب البعث ومجلس قيادة الثورة ، وعرض أمامهم شريط فديو لإحدى خطب صلاة الجمعة في الكوفة ، وبعد أن استمع الجميع للخطبة وجه صدام سؤالاً إلى الحاضرين ،عن هذه الظاهرة ، فمنهم من استخف بها ،وقال هؤلاء “غوغاء” لا قيمة لهم ، ومنهم من اعتبرها ظاهرة خطيرة ، وحسم صدام الجدل بأن الأمر أخطر مما تتصورون ، واصفاً إياها بأنه تيار فكري يتبلور ، وهو وقادرٌعلى إسقاط النظام ، وإذا ما اكتمل تنظيمه سيكون من الصعب مواجهته ، لذا قرر التصدي له.

   في عصر يوم  الجمعة التاسع عشر من شباط 1999 أعلن تلفزيون العراق نبأ قيام مجموعة مجهولة باغتيال السيد محمد محمد صادق الصدر مع  اثنين  من أبنائه في مدينة النجف هما مصطفى و مؤمل”[16]” . وقد أغتيل قبله إثنان من علماء الشيعة ، هما البروجردي ومرتضى الغروي ، مع أنهما لم يكونا متصديين للمرجعية أو ناشطين سياسياً ، وقد فُسرَ أغتيالهما لاحقاً ، أنه جس نبض ردود أفعال الشارع الشيعي تمهدياً لإغتيال السيد الصدر.

    خرجت تظاهرت في بغداد والمدن العراقية تندد بالجريمة ، لكن السلطات العراقية تصدت لها بحزم ، وجرت اعتقالات رؤوس المتظاهرين وسقط عدد من الشهداء ، لتتوقف صلاة الجمعة بعدها في الكوفة وغيرها من المدن العراقية ، وتختفي تلك الجموع الهادرة المتدفقة على الجوامع التي كان يسيطر عليها أتباع السيد الصدر.

هكذا ظهر في العراق “التيار الصدري”، الذي جمع في صفوفه الشباب المتحمسين من أبناء الشيعة ،ولكن بلا إطار تنظيمي ،ولا أيدلوجية سياسية ، إذ إن علاقة المجتهد بمقلديه لا تحتاج الى هرم تنظيمي ، كما هو لدى الأحزاب السياسية ، إلا اذا كان المرجع يطمح الوصول للحكم . لذا إكتفى السيد الصدر برفع شعارات دينية ووطنية تحاكي وتناغم مشاعر البسطاء .

التيار الصدري بعد نظام صدام : 

    مع نشوب الحرب الظالمة التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها ضد العراق في 19 آذار 2003 وتقدم قوات الاحتلال نحو بغداد ، ظهر حراك سياسي حذر في المدن العراقية تعاظم مع وصول القوات الأمريكية أطراف بغداد ، وفي مدينة النجف التف الشباب المتحمس الناقم على سلطة البعث من أهالي النجف حول السيد “مقتدى ألصدر” .الذي أخذ يفرض سيطرته على المدينة . ومرقد الإمام علي (ع) .

   في ذات الوقت وصل من لندن الى مدينة النجف، السيد عبد المجيد الخوئي “[17]”  بهدف تصدرقيادة المجتمع ، بحكم ما يتمتع به من سمعة ورثها عن أبيه ، ومشاركته في انتفاضة آذار1990 ضد نظام صدام ، وما لمؤسسته في لندن من شبكة علاقات مع بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهما ، أثار بل استفز قدومه مقتدى الصدر ، فقرر التصدي له حال وصوله الى النجف ، وعدم إعطائه الفرصة ليتمكن من جمع أتباع والسيطرة على مجريات الامور، لذا جرى قتله وعدداً ممن كان معه بطريقة وحشية وهمجية ، لم تراع حرمة الحضرة العلوية ، وهكذا تخلص الصدريون من منافس قوي ، وفرضوا سيطرتهم على المدينة .

     أعاد مقتدى الصدر صلاة الجمعة إلى جامع الكوفة وأم المصلين وخطب بهم مقلداً أباه في ارتداء الكفن أثناء الصلاة ، رغم أنه لم يصل لدرجة الإجتهاد فضلاً عن الأعلمية التي قال بها والده. التف حول مقتدى الشباب المتحمس، من أبناء الشيعة ، وظهر أتباعه في المدن العراقية الأخرى ، وخاصة في مدينة الثورة ببغداد ،واستطاعوا فرض إرادتهم على عدد من مؤسسات وممتلكات الدولة والحسينيات ، وسيطروا أيضاً على بعض الجوامع العائدة لأهل السنة في جانب الرصافة ببغداد.

    شكل مقتدى الصدر من الشباب المتحمس جيشاً خاصاً به أطلق عليه “جيش الإمام المهدي” وللتسمية دلالتها ، فالمهدي هو الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الامامية ، الذي اختفى سنة 329هجرية الموافقة 940 ميلادية ، يؤمن الشيعة أنه حيٌ يرزق ، سيظهر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، والصدريون ليس بدعاً بذلك ، إذ يلتقون مع المذاهب والديانات الأخرى التي تؤمن بوجود “مخلص آخر الزمان” .

   إن الكثير من أبناء الشيعة المنخرطين في جيش المهدي يسوقهم إخلاصهم لمذهبهم واعتقادهم أن أيامهم هذه هي “أيام الظهور” أي ظهور الإمام الغائب ،غير أن كثيرين من أصحاب المآرب انظموا إلى جيش المهدي ، وأصبحوا مع الأيام متنفذين ومؤثرين بمسيرته “[18]” .

    برزت في الساحة السياسية العراقية بعد سقوط نظام البعث 2003 قوى إسلامية شيعية أخرى مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ، وفيلق بدر ، وحزب الدعوة ، ومنظمة العمل الإسلامي ، ولاحقاً حزب الفضيلة الإسلامي وغيرها ، إضافة إلى الثقل المعنوي الكبير للمرجعية الدينية وعلى رأسها السيد السيستاني .

  نظر الصدريون إلى بعض هذه القوى نظرة عدم ارتياح ، فشعروا إن هيبة السيستاني وتاريخ آل الحكيم قد تنتزع منهم الدورالقيادي في السيطرة على الشارع الشيعي ، لذا بدأوا الاحتكاك والتصدي لهم ، فانتزعوا ضريح الإمام علي”ع” من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة محمد باقر الحكيم، وحاولوا السيطرة على ضريحي الأمامين الحسين والعباس “ع” في كربلاء ، لما لهما من قدسية وما يدرانه من أموال طائلة ، الأمر الذي لم تسمح لهم به الأطراف الأخرى. وبدأ صراعٌ مبكرٌ بين الصدريين والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية.

     وجه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية تهماً شتى للصدريين ونعتهم بمختلف النعوت ، منها على سبيل المثال لا الحصر ، ما قاله السيد عبد العزيز الحكيم :-

أن ميليشيا الصدر تقودها عناصر سابقة موالية لصدام و إرهابيون

ووجه لهم اتهاماً علنياً بالوقوف وراء اغتيال شقيقه محمد باقر الصدر”[19]” ، وقال الناطق باسم المجلس الأعلى الشيخ قاسم الهاشمي في أيار 2004 ” قيادة جيش المهدي بعثيون و إرهابيون ولدينا لائحة بأسمائهم ” واتهمهم بمحاولة اغتيال السيد صدر الدين القبنجي القيادي في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ، وقال أيضا “إن جيش المهدي وحركة الصدر يتسمان بالفوضى وغياب القيادة” وأضاف قائلاً إن ” أعداداً كبيرة منهم لا يكنوا أي احترام للمرجعية ” الأمر الذي أكدته بعض شعاراتهم .

    ونظراً للأعمال غير المقبولة التي قام بها جيش المهدي في مدينة النجف طلب منهم السيد السيستاني مغادرة النجف الأمر الذي أكده الهاشمي الذي قال مهدداً “إذا لم يحل جيش المهدي نفسه ويغادر النجف فستكون لذلك عواقب وخيمة على عناصره وعلى المدينة”

      وبغية إضعاف دور السيستاني أخذ الصدريون يتظاهرون و يهتفون بعد الصلاة بشعارات تحط من مركز السيستاني منها على سبيل المثال لا الحصر، “لا سيستاني ولا حكيم مقتدى هو الزعيم” و “ياسيستاني يا لئيم مقتدى هو الزعيم” ، وطالبوا بخروج السستاني من العراق ، باعتباره من التبعية الإيرانية ، وفرضوا إرادتهم على مدينة النجف بقوة السلاح ، وانشأوا “محاكم شرعية علنية”حكمت على مخالفيهم وغيرهم بالإعدام وكانت الأحكام تنفذ مباشرة . مما أجبر المراجع الكبار على مغادرة مدينة النجف ، خوفاً على حياتهم ، وذلك بحجج مختلفة ، فقد غادر السيد السستاني العراق الى لندن لغرض العلاج.

     استند الصدريون في أحكامهم بالقتل إلى فتوى مرجعهم في قم الإيرانية السيد الحائري “[20]” الذي أفتى بقتل البعثيين على مختلف مستوياتهم وكل عناصر النظام السابق و الأجهزة الأمنية ، وذلك عندما كان مقتدى وكيلاً للحائري “[21“.

     ولما تفاقم دورهم وسيطروا على مدينة النجف صيف 2004 ، قامت القوات العراقية و قوات الاحتلال الأمريكية بمحاصرتهم ، ولما أدركوا أن هزيمتهم أصبحت محققة ، انسحبوا من شوارع المدينة وتحصنوا بضريح الإمام علي، وكان بإمكان القوات العراقية القضاء عليهم “[22]” ، إلا أن رئيس الوزراء العراقي الدكتور أياد علاوي رفض بشكل مطلق اقتحام ضريح الإمام علي”[23]“، رغم الضغط القوي الذي مارسته قوى شيعية سياسية عليه لإقتحام ضريح الامام والقضاء على مقتدى واتباعه.

   ولما تعقدت الأوضاع في النجف ، وبغية إيجاد حل يجنب اقتحام الضريح ويحفظ هيبة الحكومة ، ويلملم أوضاع الصدريين تدخل السيد السيستاني وعاد مسرعا من رحلة علاجه خارج العراق ، وطرح “مبادرة” أنقذت مقتدى وجيشه في اللحظات الأخيرة “[24]“.

    تميز الصدريون عن غيرهم من الأحزاب الدينية الشيعية بإظهار مقاومة مسلحة مبكرة للاحتلال، وأيدوا المقاومة في المناطق الغربية (الفلوجة والرمادي) وغيرهما ، لكنهم في الوقت نفسه شاركوا بالعملية السياسية من خلال الانتخابات البرلمانية في كانون الاول 2005 لانتخاب “جمعية وطنية عراقية” “[25]” ضمن قائمة “الائتلاف العراقي الموحد“، وبذا أظهروا ميكافيلية واضحة .

    وإذا نظرنا إلى التيار الصدري من الداخل فهو وإن ضم المؤمنين بقرب  ظهور الإمام المهدي فانه ضم أيضا عناصر أخرى مشبوهة ومتسلقة ، تهدف إلى تحقيق مصالحها الشخصية أو مصالح آخرين ، وهي بعيدة عن الإسلام والمذهب مبادئاً وسلوكاً ، ونظراً لأن التيار يفتقر للأطر والضوابط التنظيمية فقد اخترقته قوى وأجهزة وأفراد ، وأصبح كل يعمل على شاكلته ، وكما يشتهي باسم الدين والمذهب والتيار

فضلا عما تقدم فإن التيار لا يمتلك رؤى فلسفية اقتصادية واجتماعية وثقافية ، سوى طروحات محمد صادق الصدر ، التي يكررها ابنه مقتدى ، وجماهير بسيطة  منساقة بشكل عفوي ، أو لمصالح شخصية مادية أو للوجاهة السياسية والاجتماعية . كما أن مقتدى لا يمتلك كارزمة مؤثرة كالتي يمتلكها السيد حسن نصر الله في لبنان ، وذلك لاختلاف النشأة والبيئة والقابليات ، لذا شاهدنا مقتدى يتناقض في مواقفه كلها فمن رافض لمرجعية السيستاني إلى محتمٍ ولائذٍ بها ، ومن معارض للعملية السياسية في ظل الاحتلال إلى مشارك فيها ، ومن مهاجم للأنظمة العربية في الخليج إلى مداح لها ، فضلا عن إنكاره وجود المجرم القاتل الزرقاوي”” ، فضلاً عن تصريحاته وفتاويه المضحكة كالتي  حرم فيها ممارسة لعبة كرة القدم ، وفوق هذا كله فهو لم ينه دراسته الأكاديمية أو الحوزوية التي تؤهله للإفتاء ، فأصبح عبئاً على الحوزة وابتلت به السياسة.

      أن التيار الصدري يتميز بشكل عام عن بقية التيارات الدينية بميل واضح للهوية الوطنية والعروبية ، وبهذا يختلف عن بقية الأحزاب الإسلامية سنيةً كانت أم شيعيةً كلها مذهبية ، التي تلغي الهوية الوطنية والقومية ، بل تنظر لهما بازدراء ، وتركز على فكرة الامة الإسلامية ، على أساس أن الإسلام للناس كافة”[26]“، وجميعها لا تؤمن بمبدأ الفصل بين الدين والدولة ، لأنها ورثت عن السلف مبدأ يقول “الإسلام دين ودولة“. ومن المؤسف ان الدستور العراقي الدائم الجديد 2005 “[27]” نص على ذلك في مادته الثانية ،أولاً “[28]“. فضلاً عن ذلك فإن تلك الأحزاب ليس لديها رؤى واضحة أو نظريات اقتصادية واجتماعية معاصرة ، باستثناء ما طرحه السيد محمد باقر الصدر”[29]” في كتابيه ، اقتصادنا ، و فلسفتنا ، الذين أشرنا لهما سلفاً.

     إن أحزاب الإسلام السياسي تعتمد بشكل مطلق على مبادئ عامة جاء بها الإسلام ، وتكرر أخطاء الدول التي نشأت بعد وفاة النبي محمد “ص” ، فهذه الدول وإن ادعت أنها تمثل الإسلام إلا أنها باعتقادي أساءت للدين والدولة معاً ، فهي لم تحافظ على دينها يوم أقحمته في دهاليز السياسة ومتاهاتها ، تلك المتاهات التي تحكمها قواعد المصالح ، وفن الممكن ، والوصول إلى الأهداف بأقل الخسائر ، والغاية تبرر الوسيلة ، بل والمكر والخداع في أحيانٍ كثيرةٍ،  وكل ذلك يتنافى مع قيم السماء التي جاءت بها الأديان.

وقد برهنت السنوات الثلاث الماضية 2003-2006 صدق ما نقول ، فقد أثبتت الأحداث أن التيار الصدري ، وإن امتلك قاعدة شعبية عريضة ، إلا أنه لا يمتلك عقيدة ثابتة واضحة المعالم ، وتورط بالعمل السياسي ، فهو يضع رجلاً في المعارضة وأخرى في الحكومة وثالثة مع المقاومة ، ويتحكم به ويسيره رجل واحد ، السيد مقتدى ، الذي أتته الزعامة بالوراثة ، وهذا ما لعبته الأقدار، وهو لم يكن مهيئاً لها ، فمارس الافتاء رغم أنه لم ينه دراسته الحوزوية ، وتقلب بمواقفه السياسية ذات اليمن وذات الشمال

______________________________________________________________________

[1] – آل الصدر ، عائلة دينية شيعية عريقة في النجف والكاظمية ولبنان، برز منها علماء أعلام يشار لهم بالبنان .

[2] – نشب ذلك الخصام نتيجة محاولة السلطات العراقية منع المواكب الحسينية ، إلا ان أهالي النجف خرجوا بتظاهرة تهتف ضد سلطات البعث ، ونظموا مسيرة راجلة من النجف الى كربلاء بمناسبة اربعينية الامام الحسين “ع” ، فتصدت لها قوات الامن العراقية  في الرايع من شباط 1977، سقط خلالها احد المتظاهرين صريعاً وتم إعتقال عدد منهم . وقدعرفت تلك بحادثة “خان النص”.

[3] – والجدير بالذكر أن حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي تبنيا العملية ، الأمر الذي ترك ظلالاً من الشكوك على العملية ، ووضع عليها أكثر من علامة استفهام.

[4] – هوالطالب سمير رضا غلام ، طالب في كلية العلوم الجامعة المسنصرية ، وكان منتمياً لحزب البعث العربي الاشتراكي.

[5] – كاتب هذه السطور من بين أولئك الذين أصيبوا بجروح بالغة جداً في تلك الجريمة النكراء.

[6] – قالت المصادر الرسمية العراقية ، أن الهجوم جرى من بناية المدرسة الايرانية في الوزيرية ،

[7] – واحدة من من أكبر الجرائم الذي إرتكبها نظام صدام هي تسفير عشرات االلأف من العراقيين بدعوى إنهم من اصول ايرانية ، مع أنهم ولدوا وترعرعوا في العراق ، ولا تربطهم بإيران صلة ، ولا يعرفون لغتها.

[8] – ولد السيد محمد باقر الصدر في الثاني من تشرين الثاني 1932 في مدينة الكاظمية ، لعائلة دينية ، تعد من رموز العراق ولبنان.

[9] – ولد محمد محمد صادق الصدر في مدينة الكاظمية في الثالث والعشرين من آذار 1943 .

[10]أبو القاسم الخوئي ( توفي 1992 )هو مرجع دين شيعي، كان يترأس الحوزة العلمية بمدينةالنجف بالعراق، وكان مرجعاً وزعيماً لملايين الشيعة الاثني عشرية في العالم ((أي أنه المرجع الديني الأعلى قبل السيد آية الله السيد علي الحسيني السيستاني )).

[11] – هناك رأي آخر يقول بجواز إقامة صلاة الجمعة بغياب الحاكم الشرعي في حالة وجود الأعلم .

[12]  – ولد السيد محمد باقر الحكيم في مدينة النجف في الثامن من تموز 1939 ، وهو أحد ابناء المرجع الشيعي الكبير السيد محسن الطبطبائي الحكيم 1889- 1970 .

[13]  – في حديث خاص مع السيد مرتضى القزويني .

[14] – السيد عبد الأعلى السبزواري ، تولى المرجعية لمدة حوالي ستة أشهر بعد وفاة الإمام الخوئي ، توفي لكبر سنه ، وتولى المرجعية بعده السيد السيستاني .

[15]الغجَر أو الكاولية ومفردها كاولي (وهو ما يطلق عليهم في العراق) هم مجموعة سكانية عراقية تنتمي إلى مجموعة الشعوب الغجرية التي تعود جذورها إلى شبه الجزيرة الهندية ودلتا السند. يشكل الغجر العراقيون أو الكاولية أقلية عرقية في العراق، استناداً لبعض المصادر كان عددهم في2005 يتراوح خمسين ألف نسمة ، يسكنون في قرى، وتجمعات بشرية عادة ما تكون منعزلة على أطراف المدن والبلدات.

[16] – سبق اغتيال السيد الصدر اغتيال عدد من العلماء باوقات متفاوتة ، وكأنها تحضيراً لإغتيال السيد الصدر.

[17]  – ولد السيد عبد المجيد الخوئي ، في مدينة النجف يوم 16 آب 1962 وقتل في النجف يوم 10 نيسان 2003 . هو الإبن الثاني للمرجع الشيعي الكبير أية الله السيد أبو القاسم الخوئي 1899 – 1992.

[18] – للأمانة لابد من الاشارة أن كثير ممن التحق بجيش المهدي ماهم إلا لصوص ومنحرفين ، يمارسون الفسق والفجور.

[19] – اغتيل يوم الجمعة  في مدينة النجف بانفجار كبير دمر سيارته بشكل كامل.

[20] – ولد السيد كاظم الحائري في مدينة كربلاء في سنة 1939 ، مقيم في مدينة قم الإيرانية .

[21] – سحب الحائري هذه الوكالة لاحقاً ، وقد قيل أنه أكتشف أن مقتدى لم يكن أهلاً لها ، كما أن الحائري نفسه منح وكالات لأخرين وأنكرها فيما بعد.

[22] – كان وزير الدفاع العراقي حازم الشعلان يصر على اقتحام ضريح الإمام ، وقد أخبرني في حينها عندما سألته عن صحة الخبر الذي أعلن عن مشاهدة مقتدى الصدر في مدينة السليمانية ، قائلاً أنه وضع خطة لقتل مقتدى وأتباعه ، تقضي بإلقاء غازات منومة عليهم واقتحام الضريح وأسرهم جميعاً.

[23] – قاوم الدكتور إياد علاوي الضغوط الكبيرة التي وضعها عليه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ، لأنه تلقى نصائح من مقربين منه بأن اقتحام الضريح سيكون إنتحاراً سياسياً، وقيل له : إن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق كأنه يريد ضرب عصفورين بحجر واحد ، اي التخلص من مقتدى بواسطة أياد علاوي ، والتخلص من أياد وتسقيطه بموضوع عدم احترام قدسية ضريح الإمام علي ، و تشبيه هذا بما قام به حسين كامل عندما ضرب ضريح الإمام الحسين 1991.

[24] – خطة المبادرة ،والتي نفذت بشكل دقيق ، أن يعود السيد السستاني إلى العراق عبر الكويت ، ويذهب إلى النجف بموكب من السيارات ، ترافقة جموع من المستقبلين من كل المدن العراقية التي يمر بها موكبه ، وتدخل هذه الجموع مع السيد لمدينة النجف وتختلط بها عناصر جيش المهدي ، فيذويون بين الناس ، وينسحبون دون أن يتم قتلهم أو اعتقالهم. وبهذه الطريقة انتهى تمرد الصدريين في مدينة النجف 2004.

[25] – كان واجب الجمعية الوطنية كتابة دستور دائم للعراق ، انتهى دورها عندما أنجزت الدستور في تشرين الاول 2005.

[26] – تمسكاً بالآية التي تقول ” وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعقلون” سبأ 28.

[27] – جمهوية العراق ، الدستور العراقي .

[28] – المصدر نفسه ، ص 5.

[29] – أعدم في 9 نيسان 1980 مع شقيقته بنت الهدى.

قراءة هادئة في دعوة السيد علي الأديب لألغاء مجانية التعليم

قراءة هادئة في دعوة السيد علي الأديب لألغاء مجانية التعليم

طاهر البكاء

تموز 2016

طالب السيد علي الأديب عضو البرلمان العراقي ووزيرالتعليم العالي والبحث العلمي السابق الغاء مجانية التعليم في المستويين الجامعي والثانوي والاكتفاء بمجانيته في مرحلتي الدراسة الابتدائية والمتوسطة ، وعزا ذلك إلى الكلف العالية التي تتحملها خزينة الدولة ، وقال إن كل طالب جامعي يكلف الميزانية العامة 13 مليون دينار عراق أي مايقارب 10 ألف دولار أمريكي .

أقول إن التعليم بشكل عام وفي كل مستوياته أصبح متاحاً كالهواء بموجب قرارت مجانيته 1973 ، و شرع قانون التعليم الإلزامي رقم (118) لسنة 1976 ، الذي فرض على كل عائلة عراقية قانونيا تسجيل أبنائها وبناتها حين بلوغهم السادسة من العمر في المدارس الابتدائية ، وبعكسه تتعرض العائلة إلى مسائلة قانونية منها السجن والغرامة المالية “[1]” وطبق هذا القانون في جميع أنحاء العراق ابتداءاً من العام الدراسي 1978 – 1979 ، وحسب تقرير اليونسكو إمتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى 1980 ، نظاما تعليميا يعد من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة ، قدرت نسبة المسجلين بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100% . إذ بلغت حصة التمويل التربوي 6% من الناتج القومي و 18% من الموازنة العامة للدولة “[2]. ، على الرغم من كل الظروف القاسية التي مر بها العراق من حروب عبثية وحصار جائر والتي تركت تأثيراً سلبياً هائلاً على الأوضاع المعاشية للناس ، بحيث أصبح رغيف الخبز الأبيض شحيحاً بل غير متوفرٍ بالمطلق،  إلا لذوي الحظ العظيم ، حتى أن النظام أصدر حينئذ قوانين غير مألوفة ، لعل أبرزها إنزال عقوبة الإعدام بمن يقوم بتصنيع أي نوع من الحلويات ، وبالرغم من كل هذه القسوة إلا أن النظام لم يتحرش بمجانية التعليم ، لكنه، بلا شك ، اضطر إلى تقليص الإنفاق على التعليم بكل مستوياته .

وحتى قبل قرارات 1973 أي في ستينيات القرن الماضي ، كان التعليم مجانياً في كل المستويات ، والسيد علي الأديب نفسه أنهى دراسته الإبتدائية والثانوية والجامعية مجاناً ، ونال درجة الماجستير 2009 دون أن يدفع أي مبلغ.

نصت الفقرة ثانياً من المادة 34 من الدستور العراقي الدائم لسنة 2005 على ( التعليم المجاني حقٌ لكل العراقيين في مختلف المراحل) “[3]” ، وعليه يكون السيد علي الأديب ، الذي كان عضواً فعالاً في لجنة كتابة الدستور ، قد ارتكب مخالفة دستورية بطرحه اقتراح إلغاء مجانية التعليم في المستويين الجامعي والثانوي.

قال السيد علي الأديب إن كلفة الطالب الجامعي الواحد يكلف الخزينة العامة 13,000,000 دينار عراقي ، وحسب تقرير وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الصادر 2014 فإن عدد الطلبة الملتحقين فعلياً بالدراسة الجامعية الأولية للسنة الدراسي 2012 – 2013  بلغ 151,483 طالباً وطالبة “[4]” وإذا اعتمدنا هذا الرقم كمعدل للقبول لأربع سنوات يكون عدد طلاب الجامعات العراقية 605,932 طالباً وطالبة ، وبحساب كلفة الطالب الواحد 10 آلاف دولار أمريكي يكون مجموع ما تنفقه الدولة على طلاب الدراسات الجامعية الأولية فقط 6,059,320,000 دولار أمريكي وهذا رقم فلكي كبير ، وإذا أضفنا لهذا الرقم كلفة طلبة الدراسات العليا الذين بلغت أعدادهم للسنة الدراسية ذاتها في مرحلة الدكتوراه 4389 والماجستير 18102 والدبلوم 1815″[5]” فإن الكلفة تكون كبيرة ايضاً. وهذا التكلفة المادية أكبر بكثير من الميزانية المخصصة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، وعليه لابد للسيد علي الأديب أن يوضح كيفية استدلاله على الكلفة السنوية للطالب الجامعي الواحد.

يبدو أن السيد علي الأديب طرح هذا الرأي متأثراً بالأزمة الاقتصادية التي يمر بها البلد ، وليس عن قناعة فلسفية ، بدليل أنه في مدة استيزاره 2010 -2014 أسس 10 جامعات جديدة فضلا عن الكليات والأقسام العلمية ، وتوسع القبول في الدراسات العليا خلال تلك المدة بشكل كبير، دون مراعاة حاجة سوق العمل لأصحاب الشهادات العليا.

ماهو الحل ؟:

كان على السيد علي الأديب أن يطرح الموضوع بطريقة ثانية وهو السياسي المخضرم والمتخصص في علم النفس ، وكان لابد أن يدفعه اختصاصه وتجربته السياسية والوظيفية إلى تبني فلسفة تربوية تبني الإنسان علمياً وسلوكياً.

من المعروف أن كل مايحصل عليه الإنسان بسهولة يفقده بسهولة أيضاً ، بعبارة أخرى ، إن الإنسان يحرص على مايحصل عليه بكده ومعاناته ، أما ما يأيته دون معاناة فيستهين به ولا يحرص عليه .

إن من أبرز السلوكيات الخطيرة في المجمع العراقي ذلك العداء بين المواطن والملكية العامة ، إذ لا يحرص المواطنون بشكل عام على الملكية العامة ، ويتعمد كثير منهم تخريبها ، الأمر الذي يمكن تلمسه بسلوك المراهقين في تكسير مصابيح الشوارع التي تنير لهم ولغيرهم الطرقات، وكذا مع مقاعد الباصات والقطارات ومقاعد الدراسة في المدارس. لكنهم لايقومون بذلك في الملكيات الخاصة ، لأنهم سيتعرضون للمحاسبة المباشرة عن أي أذىً يلحقونه بتلك الملكيات.

لابد من الاعتراف هنا أن هناك هدراً كبيراً بالمال العام ، وإنفاقاً لامبرر له نتيجة ذلك السلوك الاجتماعي ، وبغية تشذيب ذلك السلوك ، والحد من الهدر بالمال العام ، لابد من تبني سياسات في مختلف المجالات والحقول تهدف إلى بناء الإنسان أولاً ، ومن تلك الحقول قطاع التعليم .

لذا فبدلاً من إلغاء مجانية التعليم في المستويين الثانوي والجامعي لابد أن نعالح إيقاف الهدر أولاً ، بتبني فلسفة تربوية وتعليمية  توفر الفرص للراغبين بإكمال دراساتهم بجدية ، وتضع حداً للمتطفلين على تلك الدراسات.

ومن أجل تحقيق ذلك أقترح مايلي :

  • تأسيس صندوق تسليف الطلبة ، يغطي هذا الصندوق الكلف الدراسية للطلبة ونفقات معيشتهم ، عبر دائرة في كل جامعة. يقوم الطالب بتسديد تلك الكلف بعد تخرجه وحصوله على عمل بأقساط شهرية ولمدة طويلة.
  • بغية دعم وتشجيع الطلبة المتميزين لابد من وضع برنامج لإسقاط نسبة من تلك السلف في حالات محددة مثل إنهاء الطالب دراسته دون رسوب، وحصل على معدل ممتاز يعفى من كل القسط او نسبة عالية جداً منه ، واذا حصل على معدل جيد جداً يعفى من نسبة أقل وهكذا تنازلياً.
  • تحميل الطالب الكلفة المادية عن كل سنة رسوب ، ولا يشمل بأي تخفيض من نسبة السلفة ، حتى وإن حصل على تقدير جيد في المعدل النهائي للتخرج. ويشمل في حالة كان معدله العام بتقدير امتياز فقط.
  • بغية تخفيف العبء عن الجامعات الحكومية ينبغي تطوير التعليم غير الحكومي وذلك بتشديد شروط منح إجازات التأسيس لأي مؤسسة غير حكومية وفرض رقابة صارمة عليها ، من خلال جهاز الإشراف والتقويم. وإخضاعها لتقيم أداء سنوي جدي.
  • ومن أجل دعم التعليم غير الحكومي والنهوض به لابد من شمول الطلبة الملتحقين فيه بالسلف التي يمنحها صندوق تسليف الطلبة.
  • تحديد أعداد الطلبة المقبولين في كل قسم علمي وفقاً لحاجة سوق العمل ، وقابلية القسم العلمي.
  • الاهتمام بالتعليم التقني الوسطي ، لحاجة البلاد الكبيرة للكوادر الوسطية ، صناعية ، تجارية ، زراعية .
  • أما على مستوى الدراسات العليا ، فمن الضروري جداً إيقاف القبول في كل الأقسام العلمية التي لا تتوافر فيها شروط فتح مثل هكذا دراسات ، وتقليص القبول في الأقسام الأخرى التي استكملت الشروط ، ووضع ضوابط ثابتة للقبول يكون المعيار الوحيد لذلك هي المفاضلة العلمية لاغيرها . وذلك وفق حاجة البلد للاختصاصات ، فمثلاً يقبل الناجح الأول فقط من الأقسام التي تكون الحاجة محدودة جداً لذلك الاختصاص ، والناجحان الأول والثاني في الأقسام التي يحتاج البلد لذلك الاختصاص وهكذا دواليك ، وبذلك نقضي على أي تدخل أو استثناء يمارسه هذا الوزير أوذلك المسؤول .
  • لكن قبل كل ذلك يجب أن نخلص التعليم من التدخلات السياسية والحزبية ، وأن تمنح الجامعات إستقلالية حقيقة ، برفع الغطاء الثقيل الذي تمارسه الوزارة عليها ، وأن نتمسك بفلسفة تربوية ، لا بسياسة هذا الوزير ومزاجه أو ذاك.

هذه آراء أردت أن أساهم فيها لتطوير التعليم في بلادي ، وهي قابلة للتعديل والإضافة من قبل المختصين ، واللهُ والوطنُ وأبناؤه من وراء القصد.

[1]  –  ينظر : قانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976.

[2]  – علي شديخ الزيدي ، النظام التربوي وتقلبات الإقتصاد السياسي في العراق ، دراسات نربوية ، مجلة علمية محكمة ، يصدرها مركز البحوث والدراسات التربوية في وزارة التربية ، العدد 23 تموز 2013 ، ص 43 .

[3] – ينظر الدستور العراقي الدائم لسنة 2005 ، ص 18.

[4] – وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، التعليم العالي والبحث العلمي ، أرقام وحقائق ، إنجازات ثلاث سنوات  2011 ، 2012 ، 2013 ، بغداد 2014 ، ص 22.

[5] – المصدر نفسه ، ص 36.

الكليات والجامعات غير الحكومية “الاهلية ” ومسؤولية وزارة التعليم العالي

آراء: الكليات الأهلية ومسؤولية وزارة التعليم العالي

طاهر البكاء


لم يعرف العراق جامعات غير حكومية منذ عدة عقود، الا ماندر، لذا انفردت الجامعات الحكومية بمهمة التعليم العالي، الامر الذي كلف الدولة اموالا طائلة، وجعلها تتحكم بشكل مركزي بشعيرات العملية التعليمية.

 

ان التوسع بفتح الجامعات غير الحكومية ضرورة تحتمها الحاجة للتنوع، وتوفير فرص اوسع امام الطلبة لاختيار الاختصاصات التي يرغبون، بما يتطابق مع مواهبهم وهواياتهم وطموحاتهم، الامر الذي يرفد المجتمع بكفاءات واختصاصات مختلفة، فضلا عن ذلك فانها توفر فرص عمل اضافية، وتساهم في القضاء على البطالة.
ظهر في تسعينيات القرن الماضي، بحكم الحاجة اثناء الحصار الذي فرض على العراق 1990- 2003، عدد من الكليات الجامعة، اتسم بعضها بالرصانة، وشاب بعضها الاخر الضعف.
وبما ان الكليات والجامعات غير الحكومية تدار ذاتيا في كل المجالات، التمويل، القبول، التعيين، وغيرها، وبغية تحقيق الاشراف العلمي عليها استحدث في الوزارة“ مجلس الكليات والجامعات الاهلية”، وتولت دائرة الاشراف والتقويم تدقيق الشروط الواجب توفرها لتاسيس كلية او جامعة، منها وجود هيئة مؤسسة من مجموعة من الاكاديميين غير المنتسبين لاحدى الجامعات، تكون صاحبة امتياز، فضلا عن بناية ملائمة، وملاك علمي تدريسي كاف في كل قسم علمي، ومفردات المناهج العلمية في كل اختصاص، وغيرها من الشروط الضرورية، كل ذلك جزء من متطلبات ضمان الرصانة العلمية وتحقيق مستوى مقبول لمخرجات تلك المؤسسات.
تابع جهاز الاشراف والتقويم عمل الكليات الاهلية، وحقق اشرافا مباشرا، تجلى ذلك بغلق “كلية شط العرب” في البصرة قبل 2003، بعد ان ثبتت عليها مخالفات علمية، منها قبولها لاحد ابناء المسؤولين الكبار آنذاك، ومنحه درجات دون ان ينتظم بالدوام، وفي عام 2004 اعفت الوزارة صاحب امتياز وعميد كلية اليرموك الجامعة في بعقوبة ووضعتها تحت اشراف جامعة ديالى الرسمية، لان صاحب الامتياز فتح اقساما لتدريس الصيدلة وطب الاسنان، وهذا مالا تسمح به الوزارة في الكليات الاهلية حينئذ، لعدم توفر الكادر التدريسي، والاجهزة المختبرية الكافية. وكرر هذا الشخص الامر ذاته ففتح جامعة في السليمانية 2004، لكن الوزارة استطاعت بالتفاهم مع المسؤولين هناك وأد تلك المحاولات بعد عام من قيامها.
كانت بعض المنظمات المهنية القومية، التي تتخذ من بغداد مقرا لها، قد اسست معاهد للدراسات العليا في بغداد قبل 2003 منها معهد التربويين العرب، ومعهد التاريخ العربي، وقد حاول المشرفون على هذين المعهدين انتزاع اعتراف رسمي بالشهادات التي يمنحانها، ومارسوا ضغوطاً كبيرة جدا، شاركهم فيها اشخاص من مستويات عليا في الدولة انذاك، الا ان وزارة التعليم العالي واعتمادا على مقاييس علمية رصينة رفضت الاعتراف بها.
كرر المسؤولون عن المعهدين المحاولة في 2004 ، وقد عرض طلبهم على مجلس الوزارة، وبعد مناقشات مستفيضة شارك فيها رؤساء الجامعات العراقية، وبحضور رئيسي المنظمتين العربيتين، صوت مجلس الوزارة بالاجماع على رفض الاعتراف بالشهادات التي يمنحها المعهدان، والتوصية بغلقهما، لكن احد وزراء التعليم العالي فيما بعد خضع لضغوط من قوى نافذة ومؤثرة، واتخذ قرارا فرديا فتح الباب بموجبه للاعتراف ببعض شهادات معهد التاريخ العربي، مخالفا بذلك قرار مجلس الوزارة، المشار اليه اعلاه، وهذا لعمري تعبير عن سطوة الفرد في الدولة العراقية .
تأسس بعد 2003 عدد من الكليات والجامعات الاهلية، وهذه ظاهرة ايجابية،  تتطلب الرعاية والحماية، والاخذ بيدها والحرص على انجاحها، بنفس القدر الذي نحرص به على الجامعات الحكومية لم لا وهي تشارك في اعداد الكفاءات العلمية ، واذا ما علمنا ان ارقى الجامعات في العالم هي جامعات اهلية خاصة، مثل الجامعة الاولى “ هارفرد” وغيرها الكثير، لادركنا حجم الواجب والمسؤولية اللتين تحتمان علينا، رعاية وحماية هذه المؤسسات العلمية حتى من بعض مؤسسيها، خوفا من تحويلها الى مشروع تجاري ربحي، علي حساب الر صانة العلمية؟ وهنا لا نلغي الهدف الربحي المشروع لاصحاب الامتياز، لكن يجب ان يتحقق ذلك مع مخرجات نوعية و جيدة بحيث يفتخر الطالب بتخرجه من كلية اهلية تتمتع بمستوى راق مشهود له.
ان وزارة التعليم العالي قادرة على انجاح التعليم الاهلي والارتقاء به، خاصة وانها تمتلك السلطة والحق القانوني، بالاعتراف او سحبه بمخرجات تلك الكليات، وان لا تخضع او تستجيب لاية ضغوط مهما كان مصدرها.
للوصول الى الهدف المنشود على المسؤولين في الوزارة اتخاذ عدة خطوات منها :-
1-
التشدد في توفر مستلزمات التاسيس، وعدم التساهل بها، من حيث البنايات الملائمة، المختبرات، الكادر التدريسي، المناهج، وكل المستلزمات الاخرى.
2-
مراقبة اسس القبول، اذ يجب ان تستند الى قواعد واضحة، تحقق العدالة، على اسس تنافسية بين الطلبة، والتصدي لاية حالة قبول لاتستند على المعدل .
3-
وضع معايير نوعية ثابتة يجب توافرها قبل منح اجازة التأسيس، ومراقبتها بعد ذلك، وسحب الاجازة في حالة النقص او الاخلال باي منها.
4-
تفعيل اجتماعات مجلس الكليات والجامعات الاهلية، ومنحه الصلاحيات المطلوبة، كجهة تصديق على قرارات مجالس الكليات الاهلية ، وكجهاز مراقبة على ادائها .
5-
وضع حوافز ومنح تشجيعية للكليات الاهلية المتميزة .
6-ان تقوم الوزارة باعلان تقرير تقييم سنوي ، تظهر فيه درجات اداء كل واحدة من تلك الكليات، ما يؤثر على التوجه اليها من قبل الطلبة او العزوف عنها .كل ذلك يجب ان يكون بهدف انجاح التجربة ، لافرض الوصاية عليها، وبهذا تكون الوزارة جهة مراقبة وتقييم، وهو مانطمح ان يمتد الى الجامعات الرسمية.
والله وابناء الوطن من وراء القصد.

 

استقلالية الجامعات ضرورة وطنية ملحة

استقلالية الجامعات ضرورة وطنية ملحة

طاهر البكاء

Tahir@albakaa.com

تعاني الجامعات العراقية منذ زمن غير قصير من تسلط مركزي فقدت بسببه المرونة المطلوبة للابداع والابتكار والتميز ، وغدت متطابقة بكل شيئ ، كما هو الحال في المدارس الثانوية ، وتدخلت الوزارة في مراحل معينة ، وابتكرت الامتحانات الوزارية في مواضيع مختارة . فضلا عن هذا فقد سلب من الجامعات استقلالها المالي الذي كانت تتمتع به في ستينات القرن الماضي ، واخضعت الموازنات المالية للجامعات الى قيود وزارة المالية .

عقدنا في صيف 2004 المؤتمر السابع للتعليم العالي ، الذي رسم السياسة التي يجب على الجامعات والوزارة انتهاجها ، وقد حولنا تلك السياسة الى قرارات وتعليمات ، ونقلنا كثير من الصلاحيات الى الجامعات منها على سبيل المثال لا الحصر ، صلاحية التعيين ، حرية السفر ، الغاء الكتاب المنهجي ، اختيار المرشحين للبعثات ، تنفيذ مشاريع الاعمار والمشاريع الهندسية ، وحرية وضع المناهج الدراسية . الا ان كل تلك القرارات التي اتخذناها وتوصيات المؤتمر السابع تم تعطيلها ، و وضعت على الرفوف واصبحت في خبر كان . وسلب من الكليات والجامعات مؤخرا حتى حق تعين فراش .

تعود اسباب ذلك الى اننا الى الان لم نستطع التخلص من سطوة الفرد المسؤول الاول في المؤسسة ، اذ اننا في الشرق مصابون بمرض عضال الا وهو ” شخصنة القضايا العامة ” ، فدولنا ومعارضتنا ومؤسساتنا مصاب بهذا الوباء ، ولم تسلم الجامعات ومؤسساتنا العلمية منه .

ان بعض ممن يتولى المسؤولية في الوزارة الان عاش كل عمره خارج الوطن ، ودرس في جامعات تتمتع باستقلالية تامه ، وكنا نتوقع منهم ان ينقلوا التجارب التي اكتسبوها الى جامعاتنا ، غير ان ما حدث هو العكس تماما ، فقد الغي نظام القبول المباشر الذي كان متبعا في جامعة النهرين ، والذي كنا نأمل ان تتهيئ الظروف لتعميمه تدريجيا ، واحتكرت الوزارة حق التعين ، وفرضت على الجامعات اشخاص باختصاصات لم تكن الاقسام العلمية بحاجة لها ، ويعاني نظام البعثات منذ ان اطلقناه في 2004 من تلكؤ بارز ، لان الوزارة تحتكر ذلك لنفسها ، فلو اعطيت صلاحيات ارسال المبعوثين للجامعات لكان الاختيار اكثر دقة ، و لن نجد اي مبعوث حائرا ومتأخرا عن الالتحاق بدراسته الى هذه اللحظة .

عندما اطلق مجلس الاعمار عام 2004 دفعات شهرية سخية لاعادة الاعمار في الجامعات ، حاول عدد من المسؤلين الماليين في الوزارة اناطة مسؤولية الاعلان واحالة مشاريع الجامعات بمركز الوزارة ، بحجة الحيلولة دون وقوع حالات ” فساد”  ، ومع ايماني بحسن نواياهم ، الا نهم بذلك اتخذوا من الشك قاعدة ، والاولى ان تكون الثقة هي القاعدة والشك هو الاستثناء ، لكننا عقدنا اجماعا ضم رؤساء الجامعات ومدراء المالية والهندسية فيها ، واتفقنا على اليات العمل ، وانيط بكل جامعة مسؤلية تنفيذ مشاريعها ، وقدمت الوزارة العون الفني للجامعات التي طلبته ، وبشكل خاص الحديثة منها . وها هي المشاريع ترتفع شامخة ، بفضل لامركزية التنفيذ .

وعلى المستوى الاداري الروتيني نرى ان مدير عام او ربما مدير قسم بالوزارة يعطل قرار رئيس او مجلس جامعة ، باستخدام صلاحية الوزير ، مع ان رئيس الجامعة درجة خاصة ، بمستوى وكيل وزارة .وهذا خلل ادري لايمكن اصلاحة الا باستقلالية الجامعات .

في ظل المركزية تتخذ قرارات فردية ، لايمكن تبريرها ، منها على سبيل المثال ، الغاء شرط العمر للقبول بالدراسات العليا ، قد يكون الالغاء اجتهاء ممكن الدفاع عنه ، ولكن كيف لنا ان ندافع ونسوغ ، كون هذا القرار لهذه السنة الدراسية فقط ؟ ، هل كان للجامعات راي في هذا القرار ؟.

رايت في الجامعات المتقدمة نظاما اداريا وماليا ، ونظام قبول ، غاية في الروعة ، فان دائرة القبول ، على سبيل المثال لا الحصر ، تتمتع باستقلالية ، لا يستطيع رئيس الجامعة او العميد التدخل في شؤونها ، او التاثير في قبول طالب ما ، وان تعين استاذ من صلاحية القسم والعميد لاغير ، وكل واحد منهم يتمتع بصلاحيات صرف مالي محددة ، يمارسها دون الحاجة لقرار مركزي .

تحقق استقلالية الجامعات فضلا عن خلق بيئة مناسبة للابداع ، استغناء الاستاذ والطالب عن مركز الوزارة ، الا عندما يضطر الى ذلك ، للتظلم من الجامعة .

هل سنمتلك الشجاعة لنوزع ثقل المسؤلية الذي تنوء به الوزارة  ، ونلقي بها على الجامعات ، ونحول الوزارة الى هيئة مراقبة واشراف وتقويم او محاسبة .

والله والوطن من وراء القصد .

ظاهرة الدراسة المفتوحة ومسؤولية وزارة التعليم العالي

ظاهرة الدراسة المفتوحة ومسؤولية وزارة التعليم العالي

طاهر البكاء

tahir@albakaa.com

        نشطت بعد 2003 عدة جهات داخل العراق وخارجه تروج للدراسة عن بعد او مايسمى بالدراسة بالمراسلة ، ادعى اصحابها ان المؤسسات التي يمثلونها علمية معترف بها رسميا في دول المقر وهذا محل تساؤل ، وقد استغل اصحابها عطش العراقيين وشغفهم للتحصيل العلمي ، فصوروا ان شهادات هذه الدراسة معادلة لشهادات الجامعات الرصينة ، وهذا ادعاء ليس لها على ارض الواقع اي دليل ، بل ان ماينقضه هو الاجلى والاوضح .

      ففي صيف 2003 نشط احد العراقيين باسم الجامعة الماليزية ، و قام احد الاردنيين بنشاط محموم للترويج الى جامعة ” سانتكلمنس ” ، وقد ساعد هؤلاء الشخصين وسهل مهمتهم  بعض منسبي الجامعات العراقية من ذوي الاغراض الخاصة ، واستطاع هذين الشخصين اصطياد الكثير من العراقيين ممن لم تتيسر لهم فرص القبول في الدراسات العليا لمختلف الاسباب ، لعل ابرزها عدم استكمال الشروط التي تؤهل اصحابها للقبول .

     تصدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي 2004-2005 الى هذين الشخصين ، ونشرت اعماما وطبعت بوسترات تحذر العراقيين من الوقوع في شباك وفخاخ هؤلاء ، ومما يؤسف له ان بعض المؤسسات العراقية ، بحسن نية او لمصالح خاصة ، وفرت اغطية لهؤلاء ، كما فعلت كلية الامام الاعظم عندما استضافت مايسمى بالجامعة الماليزية ، او كما فعلت جامعة اربيل عندما وقعت اتفاقية مع  مايسمى  بجامعة ” سانتكلمنس ” ، وقد الغت جامعة اربيل في حينها الاتفاقية ، بعد ان بينا لها في حينها وهمية هذه الشخص ومايمثلها .

     تشهد الساحة العراقية هذه الايام بالاضافة الى ماذكرنا اعلاه ، نشاط لاشخاص باسماء جامعات اخرى مثل الجامعة الحرة في هولندا ، والجامعة العالمية في لاهاي ، وجامعة لاهاي للصحافة والاعلام ، والجامعة الدنماركية ، والجامعة الكندية الكندية ، و غيرها كثر ، وتظهر اعلانات لهم في صحف ومواقع الكترونية ، تقول تلك الاعلانات انهم يوفرون الفرص للحصول على شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه ، واعلنوا عن افتتاح فروع لهم في النجف والكوت ، وقال احدهم ان عدد المسجليين في محافظ النجف وحدها بلغ 500 شخص ، وبعملية حسابية بسيطة لو ان كلفة الدراسة 2000 دولار فقط فان هذه المؤسسة اخذت مليون دولار من ابناء النجف فقط ، كما ان شخص اخر اقام احتفال في الكوت لافتتاح فرع لجامعته ، قال الخبر ان رئاسة واساتذة جامعة الكوت حضروا ذلك الاحتفال ، وهنا يبرز سؤال هل اصبح فتح وتاسيس فروع لجامعات اجنبية دون ضوابط وشروط ومقاييس عراقية ؟ ، كل هذا ووزارة التعليم العالي لم تحرك ساكنا للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة .

     ان المسؤلية العلمية والوطنية والاخلاقية والوظيفية  تقع على وزارة التعليم العالي لحماية ابناء العراق من موجة الاستغلال هذه ، ومع تقديري ان الوزارة واقعة تحت ضغوط جهات سياسية نافذة ، الا ان ذلك لايعفيها من المسؤولية القانونية ، لذا اقترح ان يقوم جهاز الاشراف والتقويم بالوزارة ، وهو جهاز يشبه في دوره الوظيفي جهاز التقيس والسيطرة النوعية ، الذي يمنح شهادة النوعية لكل البضائع ومنها الذهب ،ان يقوم بما يلي :-

  • قيام والجامعات والوزارة بحملة توعية اعلامية لغرض تنبه ابناء العراق من مخاطر الوقوع في شباك تلك الجهات .
  • منع منتسبي الجامعات العراقية من التعاون مع هذه المؤسسات والمشاركة في نشاطاتها .
  • الاعلان بان لامجال للاعتراف بشهادات تلك الجامعات باي حال من الاحوال .
  • اتخاذ اجراءات قانونية وقضائية ضد الاشخاص الذين يروجون لهذه المؤسسات ، والعمل على استرداد المبالغ التي استوفوها من العراقيين .

ان الكتابة عن هذا الموضوع تهدف اولا واخيرا التنبيه لمخاطر هذه الظاهرة من اجل حماية ابناء العراق .

والله وابناء الوطن من وراء القصد .

في ضوء قرار وزارة التعليم العالي احالة عدداً من الاساتذة على التقاعد

في ضوء قرار وزارة التعليم العالي احالة عدداً من الاساتذة على التقاعد  

د. طاهر البكاء

 تشرين الاول 2008

 احالت وزراة التعليم العالي على التقاعد هذه الايام عدد كبير من الاساتذة ممن بلغوا السن التقاعدي ، حسب قانون الخدمة الجامعية . واذا ماعرفنا ان هؤلاء من حملة الالقاب العلمية المتقدمة ، واضفنا اليهم العدد الكبير الذين غادروا الوطن ، بسبب الوضع الامني ، لادركنا حجم الخسارة العلمية التي منيت وستمنى بها الجامعات العراقية .

     ان تطبيق القوانيين والالتزام بها أمر جيد و مرحب به ، ولكن في ظل الظروف الحالية ، والنقص الهائل في الكفاءات العلمية ، الذي اسهم فيه اضافة الى اضطرار اعداد كبيرة للهجرة ، التوسع الهائل في فتح جامعات وكليات جديدة .تفرض علينا الاحتفاظ بهذه الكفاءات المتقدمة والنادرة ، خاصة وان اغلبهم يتمتعون بقابليات بدنية ، تؤهلهم للاستمرار في مسيرة العطاء الثر .

      تستقطب ارقى الجامعات بالعالم كوادرعلمية متقدمة قبل و بعد احالتهم على التقاعد في بلدانهم ، واثناء سنتي البحثية في الجامعة الاولى في العالم ” هارفرد” في الولايات المتحدة الامريكية ، شاهدت اساتذة بلغلوا من العمر عتيا ، منهم على سبيل المثال لا الحصر رئيس قسم الفيزياء الذي شارف على التسعين من العمر ، كما ان الجامعة ذاتها احتفظت بالاستاذ العراقي المرحوم فخري البزاز ، رغم اصابته بمرض عضال ، الى ان توفاه الله في الشتاء الماضي ، فوقفت الجامعة حزنا على فقده .

    من المعروف بداهة ان الاساتذة تتجذر تجاربهم ، ويتعمق عطائهم ، كلما كثرت ابحاثهم ، التي تصبح نوعية بتراكم عطائهم .

     كم خسرت جامعة بغداد عندما احيل المرحوم علي الوردي على التقاعد ، وهو لم يزل معطاءا ؟ ، وهل توقف الاستاذ حسين علي محفوظ عن العطاء بعد احالته على التقاعد ؟ الم تضطر الجامعة التي احالته على التقاعد للاستعانة به لاكثر من عقدين للاشراف على طلبة الدراسات العليا ؟ الم تتلقف الجامعة الاردنية المؤرخ العراقي عبد العزيز الدوري ، و عبد الامير محمد امين ، وحسين القهواتي ؟ وهناك مئات غيرهم .

        ايعقل ان تخسر الجامعات اساتذة من امثال كمال مظهر احمد ، وهاشم التكريتي ، وغيرهم بالعشرات الذين تضمنتهم قائمة الاحالة على التقاعد ؟

       لم اتردد لحظة 2004 باعادة المرحوم الاستاذ الدكتور عبد الامير الورد الى الخدمة ، الذي اضطر في تسعينيات القرن الماضي الى احالة نفسه على التقاعد ، لتردي الوضع المعيشي للاساتذة .

      واذا كان العمر مقياسا وحدا فاصلا ، تتوقف عنده مسيرة العطاء ، فالاجدر ان يطبق على من يحتلون مواقع قرارات خطيرة ، لها مساس مباشر بحياة ومستقبل البلاد والعباد .

    لي ثقة مطلقة لو ترك الامر للجامعات لما ضحت بهذه النخبة الخيرة ، لكن المشكلة تكمن ، كم اشرت غير مرة ، في المركزية الشديدة التي تمارسها الوزارة ، التي هي غالبا تعبر عن سياسة وزير لا فلسفة وزارة .

  علينا ان نفكر باسلوب خلاق ، ونجد طريقة تكفل استمرار هؤلاء العلماء بالعطاء العلمي والاشراف على طلبة الدراسات العليا ، منها على سبيل المثال لا الحصر ، تفعيل ما يطلق عليه في الجامعات الغربية ” استاذ كرسي ” او استاذ زائر ، او استاذ خبرة .

  انتهز هذه المناسبة لاكرر مطالبا برفع الغطاء الثقيل الذي تفرضه الوزارة على الجامعات ، وان تعطى للجامعات استقلالية وحرية واسعة في التعين ، والقبول ، وارسال البعثات ، وغيرها ، وان يحصر دور الوزارة في الاشراف والمراقبة والتقويم العلمي . والله والوطن من وراء القصد .